لواء دكتور/ سمير فرج يكتب: الصراعات داخل إسرائيل، إلى أين؟

بدأت الصراعات الداخلية في إسرائيل تتزامن مع دخول إسرائيل قتالها في غزة بعد عام ونصف، حيث جاءت في البداية من خلاف رئيس الأركان الجديد آيال زمير ووزير الدفاع كاتس. على نحو عكس إلى حد بعيد الصراع الدائر من أجل السيطرة على الجيش، فقد وجد زمير نفسه في مواجهة مع كاتس بعد 19 يومًا فقط على دخوله مكتبه خلفًا لرئيس الأركان السابق هيرتسي هاليفي، الذي كان هو نفسه طرفًا رئيسيًا في مواجهة علنية بين المستوى السياسي بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والمستوى العسكري، على خلفية تحمُّل المسؤولية عن الفشل في منع هجوم «حماس» يوم 7 أكتوبر 2023.
المواجهة الأخيرة بدأت بعدما طالب كاتس، في بيان، بأن يفحص زمير أداء الادعاء العسكري الذي فتح تحقيقًا ضد ضابط الاحتياط، العميد أورِن سولومون، الذي شغل منصب المدير القتالي لـ«فرقة غزة» سابقًا، وقاد تحقيقًا شاملاً في إخفاقات «7 أكتوبر».
وعدّ كاتس أن استدعاء سولومون في الأمر مرتبط بتلك التحقيقات، وقال: «إن حقيقة استدعاء العميد سولومون بالذات، الذي كُلّف بإجراء تحقيق بشأن الأحداث في (القيادة الجنوبية) يوم (7 أكتوبر) ووجَّه فيه انتقادات للقيادة العليا للجيش الإسرائيلي، محذرًا من تحوُّل التحقيقات العسكرية إلى أداة لإسكات النقد الداخلي بالجيش».
ورد زمير فورًا على كاتس، وقال إنه لا يتلقى التعليمات عبر وسائل الإعلام، مضيفًا أن سولومون «استُدعي للتحقيق بسبب شبهات بارتكاب مخالفات أمن تتعلق بمعلومات خطيرة».
وفي نبرة تحدٍ لكاتس، قال: «أدعم أجهزة إنفاذ القانون في الجيش الإسرائيلي التي تعمل بموجب القانون من أجل استيضاح الشبهات»، وتابع: «الادعاء الذي بموجبه جرى التحقيق مع الضابط بسبب ضلوعه في تحقيقات (7 أكتوبر)، ادعاء كاذب لا أساس له».
ولاحقًا، أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق للشرطة العسكرية بشبهة «ارتكاب مخالفات أمن تتعلق بمعلومات خطيرة».
وكان سولومون قد بعث برسالة إلى نتنياهو وكاتس، اتهم فيها الجيش بسوء الإدارة خلال «السبت الأسود». وذكر في تقريره أن قيادة الجيش، بما فيها رئيس الأركان وسلاح الجو وقيادة المنطقة الجنوبية، «فشلت فشلًا ذريعًا» خلال الساعات الست الأولى من الحرب. وأشار إلى أن الإدارة الواعية كان يمكن أن تقلل عدد الضحايا بالمئات منذ اللحظات الأولى للهجوم، وإلى أن الإجراءات غير الصحيحة «فاقمت نطاق الكارثة».
واتهم سولومون الجيش بمحاولة إخفاء نتائج التحقيقات، وحجب الوثائق، وتعديل المستندات، وبمحاولة إسكاته بشكل منهجي. ونشر عَميت هاليفي، عضو الكنيست عن حزب «الليكود»، رسالة بعث بها سولومون إليه وإلى نتنياهو، واتهم فيها النيابة العسكرية بالتحقيق معه بشكل «مخطط» من أجل «إسكاته».
ولا يعلم أحد إلى أي مدى يمكن أن تتفاقم الأزمة، لكن رون بن يشاي، المعلق العسكري بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، حذر من عواقب هذا الصدام، وقال إنه يستدعي القلق، ليس فقط بين كبار المسؤولين الأمنيين ونتنياهو، بل بين عموم الإسرائيليين.
واتهم كاتس بمحاولة «تسييس الجيش وزرع الانقسام فيه، وزعزعة الانضباط العسكري والتسلسل الهرمي الضروريين للغاية، خصوصًا في أوقات الحرب، والإضرار بمكانة وسلطة رئيس الأركان، وبالتالي الإضرار بسير عمل سلسلة القيادة العسكرية بأكملها».
وقال بن يشاي إن كاتس، الذي لم يمضِ على وجوده في منصب وزير الدفاع 6 أشهر، راكم بالفعل «سجلًا طويلًا غير محمود من الإضرار المنهجي، من خلال وسائل الإعلام، بمكانة كبار المسؤولين في الجيش». وتابع: «وفوق كل ذلك، يعمل كاتس على تسييس الجيش ومؤسسة الدفاع، ويدوس على كيان الدولة». وعدّ أن الضرر الذي لحق بالجيش ومؤسسته «قاتل».
واتهم نير دافوري، المراسل الأمني لـ«القناة 12»، وزير الدفاع بانتهاك المبادئ، وقال إنه ارتكب خطأً جسيمًا عندما اختار الدخول في مواجهة مع رئيس الأركان علنًا. وأضاف أن كل من كان يعتقد أن زمير «رجل مطيع» اكتشف خطأه مع هذه المواجهة.
أما آفي أشكنازي، المعلق العسكري في صحيفة «معاريف»، فيرى أن المواجهة تتعلق بإدراك رئيس الأركان ضرورة الحفاظ على استقلالية الجيش وإبعاده عن تيارات مركز «الليكود» والسياسة الإسرائيلية.
وعلى الاتجاه الآخر، تشهد إسرائيل حاليًا حالة من الانقسام وتعميق الشرخ المجتمعي والاستقطاب السياسي والخلافات بشأن قضايا خلافية جوهرية، سواء قانون تجنيد الحريديم أو الإصلاحات بالجهاز القضائي أو إقالة رئيس الشاباك رونين بار.
ويرى البعض أن “نتنياهو عراب التحريض والانقسام السياسي الإسرائيلي لأجيال، والذي دخل المعترك السياسي مستغلًا موجات التحريض التي أطلقها ضد إسحاق رابين”.
وفي مؤشر على جدية المخاطر التي تهدد استقرار إسرائيل داخليًا، ينشط رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، أفيغدور ليبرمان، في اجتماعات مع كتل أحزاب المعارضة وإحاطات لوسائل الإعلام بإرسال رسائل أن نتنياهو يشكل خطرًا وجوديًا على إسرائيل ويدفع بها نحو الديكتاتورية، ولا بد من الإطاحة به وعزله.
واختار ليبرمان افتتاح الجلسة الأسبوعية لكتلته البرلمانية بالتهديد والوعيد لرئيس الوزراء، قائلًا إنه “إذا لم تحترم الحكومة قرار المحكمة العليا بشأن تجميد إقالة رئيس جهاز الأمن الداخلي الشاباك، رونين بار، سأتوجه إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ، وسأطلب منه إقالة رئيس الوزراء نتنياهو من منصبه”.
وأوضح ليبرمان أن “الاختبار سيكون قرار الحكومة باحترام حكم المحكمة العليا من عدمه”، مشيرًا إلى أنه غير متأكد من “الاستقرار العقلي” لرئيس الوزراء: “لأنني أعرفه منذ عقود، فأنا أنظر إليه وإلى تعبيرات وجهه وكلامه، وأقول إنني لست متأكدًا من استقراره العقلي”.
وتحت عنوان “سيكون من الصعب إعادة الدولة العميقة إلى القمقم”، كتبت الدبلوماسية السابقة في وزارة الخارجية الإسرائيلية، توفا هرتسل، مقالًا بالموقع الإلكتروني “زمان يسرائيل”، استعرضت فيه الحديث المتزايد عن “الدولة العميقة” وتداعيات ذلك على مستقبل إسرائيل.
وأشارت إلى أن الترويج بإسرائيل إلى مصطلح “الدولة العميقة”، خاصة من قبل نتنياهو، يذكّر بـ”بروتوكولات حكماء صهيون”، وهي وثيقة نشرتها المخابرات القيصرية في روسيا أوائل القرن الـ20، التي من المفترض أنها تحتوي على خطة يهودية مفصلة للسيطرة على العالم.
وقالت هرتسل: “لا يتعين عليك أن تكون مؤرخًا لكي تدرك أنه عندما يلقي القادة باللوم في إخفاقاتهم على أعدائهم، فإن الطريق إلى القمع يكون قصيرًا، ويتم تصوير الحاكم على أنه شخص يعمل على إنقاذ البلاد، وإذا كان هذا يتطلب تفكيك المؤسسات القائمة ومنحه هو وأتباعه مزيدًا ومزيدًا من السلطة، وهذا عمليًا ما يقوم به نتنياهو”.
وهكذا بدأت الانشقاقات داخل الدولة العميقة في إسرائيل، والتي يزيدها مشكلة عودة الرهائن من أيدي حماس، والسؤال هنا: هل ستؤدي هذه الخلافات إلى سقوط الحكومة الإسرائيلية؟