ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب

بقلم / ناصر السلاموني
دخل النبي ﷺ على أمِّنا السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها يومًا فزعًا يقول: “لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه”، وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها. فقالت زينب: “يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟” قال: “نعم، إذا كثر الخبث”.
واقع الأمة العربية: بين التحديات والتشرذم
يتجلى هذا الحديث النبوي الشريف في واقعنا اليوم، حيث تعيش الأمة العربية حالة من التفرق والتبعية، حتى في القضايا التي من المفترض أن توحدها. فقد أصبح القرار العربي مرتبطًا بمصالح خارجية، بينما غرق كثير من أبناء الأمة في صراعات داخلية وانقسامات سياسية، في حين أن الأعداء يعملون على تعزيز قوتهم ونفوذهم.
لكن لا بد من التأكيد على أن المشهد ليس سوداويًا بالكامل، فهناك دول عربية تبذل جهودًا ملموسة لحماية سيادتها واستقلالها، وتحقيق التنمية المستدامة لشعوبها. ومع ذلك، تبقى الحاجة إلى تنسيق أكبر لمواجهة التحديات المشتركة وتوحيد الصف العربي.
الاقتصاد العربي: ثروات مهدورة واستقلال مفقود
على الرغم من امتلاك الدول العربية موارد طبيعية هائلة، إلا أن الاقتصاد العربي لا يزال يواجه تحديات كبرى نتيجة الاعتماد على الخارج في العديد من المجالات الحيوية. فمعظم الثروات تُدار خارج الإطار العربي، وتُستخدم لخدمة مصالح اقتصادية عالمية بدلًا من الاستثمار في تنمية الشعوب العربية. كما أن التبعية في الصناعات الحيوية والتكنولوجية تجعل الدول العربية عرضة للضغوط الخارجية.
ومع ذلك، هناك مبادرات عربية ناشئة تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي، مثل مشاريع الربط الكهربائي وتطوير الأسواق المالية المشتركة، بالإضافة إلى محاولات إنشاء جيش عربي موحد. ورغم أهمية هذه الجهود، فإنها تحتاج إلى إرادة سياسية أقوى لتحقيق استقلال اقتصادي وعسكري حقيقي.
القضية الفلسطينية: الاختبار الحقيقي للوحدة العربية
لا تزال القضية الفلسطينية تمثل التحدي الأكبر أمام العرب، حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي جرائمه بدعم غربي، بينما تواجه الدول العربية صعوبة في اتخاذ موقف موحد. ورغم الاجتماعات العربية والإسلامية المتكررة، فإن تأثيرها على أرض الواقع لا يزال محدودًا، ما أدى إلى تراجع الهيبة العربية في المحافل الدولية.
ومع ذلك، يظل الأمل قائمًا، حيث أثبتت الشعوب العربية أنها لم تتخلَّ عن القضية، بل تتفاعل بقوة مع الأحداث، مما يعكس إيمانها العميق بعدالة القضية الفلسطينية. وهنا تكمن الحاجة إلى ترجمة هذا الدعم الشعبي إلى سياسات عملية تضمن حماية الحقوق الفلسطينية، بعيدًا عن الاكتفاء بالتصريحات التقليدية.
هل من حلول؟
إن مواجهة هذه التحديات تتطلب رؤية واضحة وإرادة جادة لتحقيق التغيير. ومن أبرز الحلول المقترحة:
1. تعزيز الوحدة العربية: يجب تجاوز الخلافات السياسية والتركيز على المصالح المشتركة عبر تفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك، وخاصة جامعة الدول العربية، التي تحتاج إلى إصلاحات جذرية لاستعادة دورها الفاعل.
2. إعادة توجيه الثروات: استثمار الموارد في مشاريع تنموية داخلية بدلًا من وضعها في البنوك الأجنبية.
3. تحقيق الاستقلال الاقتصادي: بناء صناعات محلية قوية تقلل من الاعتماد على الخارج، خصوصًا في القطاعات الحيوية.
4. إصلاح التعليم والإعلام: لحماية الهوية العربية والإسلامية من التأثيرات الخارجية السلبية، مع ضرورة الحفاظ على التوازن بين الانفتاح الثقافي والحفاظ على القيم الوطنية.
5. اتخاذ موقف أكثر فعالية تجاه القضية الفلسطينية: دعم حقيقي سياسيًا واقتصاديًا، وعدم الاكتفاء بالمواقف الرمزية.
الخاتمة
إن التغيير ممكن، لكنه يحتاج إلى إرادة قوية وقرارات جريئة. لقد أدركت بعض الدول، مثل مصر، بقيادتها السياسية وشعبها العاشق للعروبة والمضحي من أجل فلسطين، حجم التحديات وتعاملت معها بحكمة. لكن يبقى السؤال: متى يدرك العرب جميعًا أن وحدتهم هي سبيل نجاتهم؟ هل ننتظر حتى تضيع الفرص تمامًا؟ إن الفرصة لا تزال قائمة، لكنها تتطلب عملًا حقيقيًا، لا مجرد شعارات. إن الطريق مليء بالعقبات، لكنه ليس مستحيلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى