الديوان الملكي: ميناء “الناظور غرب المتوسط” يستكمل عرض “طنجة المتوسط” ويرسخ التنافسية اللوجيستية والصناعية للمغرب

 

الديوان الملكي: ميناء “الناظور غرب المتوسط” يستكمل عرض “طنجة المتوسط” ويرسخ التنافسية اللوجيستية والصناعية للمغرب

كتب_ طه المكاوي

يراهن المغرب على مشروع ميناء ومركب الناظور غرب المتوسط لفتح مرحلة جديدة في مسار تطوير بنيته التحتية وتعزيز قدراته الاقتصادية والتجارية، مستندًا إلى رؤية استراتيجية تستهدف ترسيخ موقع المملكة بوصفها مركزًا إقليميًا للنقل البحري والخدمات اللوجيستية والصناعات المرتبطة بالطاقة، بالتوازي مع توسيع نطاق التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل في المناطق المجاورة.

ويأتي المشروع ليشكل امتدادًا للنجاح الذي حققه ميناء طنجة المتوسط، من خلال إضافة قدرات جديدة إلى المنظومة المينائية المغربية، وتطوير شبكة متكاملة تربط الموانئ بالمناطق الصناعية واللوجيستية والمنشآت الطاقية، بما يدعم قدرة البلاد على استقطاب الاستثمارات وتعزيز حضورها في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

وأكد بيان للديوان الملكي المغربي أن مشروعي المركب المينائي والصناعي بالناظور غرب المتوسط ومركب طنجة المتوسط يجسدان طموح المملكة إلى الجمع بين النمو الاقتصادي الوطني والتنمية المجالية، عبر تحسين توزيع الاستثمارات العمومية، وتعبئة رؤوس الأموال الخاصة، وتوفير فرص جديدة للتشغيل، وتعزيز إنتاج القيمة المضافة داخل المناطق المستفيدة من المشروعات الكبرى.

وجاء ذلك عقب ترؤس العاهل المغربي الملك محمد السادس جلسة عمل في الرباط، خُصصت لمتابعة تقدم الأشغال في المشروعين الاستراتيجيين، والوقوف على تطورات تنفيذهما ومكوناتهما المختلفة، في إطار توجه يستهدف تعزيز التنافسية الاقتصادية للمملكة وتطوير قدراتها في القطاعات الحيوية.

54 مليار درهم استثمارات في مشروع استراتيجي

كشف البيان أن الاستثمارات العمومية والخاصة التي جرى رصدها لمشروع الناظور غرب المتوسط بلغت حتى الآن نحو 54 مليار درهم مغربي، وهو ما يعكس حجم الرهان على هذا المشروع باعتباره أحد المكونات الرئيسية لخريطة التنمية الاقتصادية في المملكة.

ويتميز المشروع بتعدد مكوناته، إذ يجمع بين البنية التحتية المينائية ومحطات الحاويات، والمناطق الصناعية واللوجيستية، والمنشآت المخصصة لتخزين المحروقات واستقبال الغاز الطبيعي المسال، بما يمنحه قدرة على أداء أدوار اقتصادية تتجاوز حركة البضائع والسفن إلى دعم الأنشطة الإنتاجية والخدمات المرتبطة بالتجارة والطاقة.

وتعكس هذه الاستثمارات توجهًا نحو تطوير نموذج اقتصادي يقوم على التكامل بين البنية التحتية والنشاط الصناعي، بحيث لا يكون الميناء مجرد نقطة لاستقبال البضائع وإعادة شحنها، بل مركزًا قادرًا على جذب الشركات وإقامة المشروعات الإنتاجية وتوفير الخدمات اللازمة لتوسيع حركة التصدير والاستيراد.

ويكتسب المشروع أهمية إضافية بالنظر إلى موقع المغرب الجغرافي، الذي يتيح له التواصل مع الأسواق الأوروبية والإفريقية والمتوسطية، والاستفادة من حركة التجارة بين هذه الأسواق. ومن شأن تطوير قدرات الناظور غرب المتوسط أن يوسع الخيارات المتاحة أمام المستثمرين وشركات النقل البحري، ويمنح المملكة فرصًا جديدة لتعزيز حضورها في منظومة التجارة العالمية.

كما يمثل توزيع الاستثمارات بين أكثر من مركز اقتصادي خطوة مهمة لدعم التنمية المجالية، وفتح المجال أمام المناطق الواقعة خارج المراكز الاقتصادية التقليدية للاستفادة من المشروعات الكبرى وما يرتبط بها من أنشطة وخدمات.

محطات الحاويات.. دفعة جديدة للتجارة الدولية

تتصدر محطات الحاويات قائمة المكونات الرئيسية لميناء الناظور غرب المتوسط، نظرًا إلى دورها في تحديد قدرته على استقبال حركة التجارة البحرية والتعامل مع متطلبات شركات النقل والخدمات اللوجيستية.

ووفقًا لبيان الديوان الملكي، من المقرر أن تدخل المحطة الأولى للحاويات حيز الاستغلال قريبًا، بطاقة استيعابية تصل عند اكتمالها إلى 3.5 مليون حاوية. كما يُنتظر أن تدخل المحطة الثانية الخدمة في أبريل 2027، بطاقة استيعابية تبلغ 1.8 مليون حاوية.

وباحتساب الطاقة الاستيعابية للمحطتين، يُنتظر أن تصل القدرة الإجمالية إلى نحو 5.3 مليون حاوية، بما يمثل إضافة مهمة إلى الإمكانات المينائية المغربية، ويعزز قدرة المملكة على تلبية احتياجات حركة التجارة البحرية المتنامية.

ويتطلب إنجاز المحطتين تعبئة استثمارات خاصة تقدر بنحو 8 مليارات درهم، في دلالة على الدور المحوري الذي يؤديه القطاع الخاص في تطوير البنية التحتية وتشغيل المرافق المتخصصة، إلى جانب الاستثمارات العمومية الموجهة لإنشاء المشروع وتجهيز مكوناته الأساسية.

ومن المتوقع أن تسهم المحطات الجديدة في تعزيز كفاءة تداول الحاويات وتوفير خدمات لوجيستية أكثر تكاملًا، بما يساعد على تسهيل حركة البضائع وتحسين عمليات النقل والتخزين والتوزيع. كما يمكن أن تتيح فرصًا إضافية أمام الشركات العاملة في الشحن والتفريغ والخدمات البحرية والنقل البري وسلاسل الإمداد.

وتزداد أهمية هذه القدرات في ظل المنافسة الدولية بين الموانئ على جذب الخطوط الملاحية والاستثمارات الصناعية، حيث أصبحت كفاءة الموانئ وسرعة تداول البضائع وتوافر الخدمات المتخصصة عوامل رئيسية في تحديد قدرة الدول على تعزيز حصتها من التجارة العالمية.

ومن هنا، فإن استكمال منظومة الناظور غرب المتوسط لا يستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية فحسب، بل يسعى إلى بناء منصة اقتصادية متكاملة قادرة على دعم الصادرات وجذب الاستثمارات المرتبطة بالأسواق الخارجية.

الطاقة في صدارة المكونات الاستراتيجية

يحظى المكون الطاقي بمكانة أساسية داخل المشروع، في ضوء توجه المغرب إلى تعزيز أمن الإمدادات وتطوير البنية التحتية اللازمة لتخزين المنتجات الطاقية واستقبال الغاز الطبيعي المسال ومعالجته.

وأوضح بيان الديوان الملكي أن هذا المكون يشمل تشغيل محطة للمحروقات، تضم منطقة للتخزين تصل سعتها المحتملة إلى 4 ملايين متر مكعب، إلى جانب محطة للغاز الطبيعي المسال تتمتع بقدرة معالجة تصل إلى 5 مليارات متر مكعب سنويًا.

وتوفر هذه المنشآت إمكانات إضافية لتطوير خدمات تخزين المحروقات وتداول المنتجات الطاقية، فضلًا عن تعزيز البنية التحتية التي تحتاج إليها الأنشطة الصناعية واللوجيستية المرتبطة بقطاع الطاقة.

ويأتي الاهتمام بهذه المرافق في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه أسواق الطاقة العالمية، نتيجة التقلبات الجيوسياسية وتغير مسارات الإمدادات وارتفاع أهمية تنويع مصادر التوريد. وأصبحت البنية التحتية القادرة على استقبال المنتجات الطاقية وتخزينها وتداولها عنصرًا مؤثرًا في تعزيز مرونة الاقتصادات وقدرتها على التعامل مع المتغيرات الدولية.

ومن هذا المنطلق، لا يمثل المكون الطاقي مجرد إضافة فنية إلى الميناء، بل يشكل أحد العناصر التي تدعم مكانته الاقتصادية وتوسع نطاق الأنشطة التي يمكن أن يستقطبها، خصوصًا الأنشطة الصناعية التي تعتمد على توافر خدمات الطاقة والتخزين والنقل.

كما أن الجمع بين المرافق المينائية والمنشآت الطاقية والمناطق الصناعية يتيح فرصًا لتطوير أنشطة اقتصادية مترابطة، ويعزز قدرة المشروع على جذب الاستثمارات التي تبحث عن مواقع تجمع بين الخدمات اللوجيستية والبنية التحتية المتخصصة.

منطقة صناعية تفتح آفاقًا للاستثمارات الجديدة

إلى جانب الميناء والمنشآت الطاقية، تمثل المنطقة الصناعية أحد المحاور الرئيسية التي يعول عليها المغرب لتعظيم العائد الاقتصادي من مشروع الناظور غرب المتوسط.

وأشار البيان إلى أن المنطقة الصناعية دخلت حيز العمل، وتضم حاليًا مصنعًا واحدًا قيد التشغيل، فيما توجد ثلاثة مصانع أخرى في طور البناء، بما يعكس بداية تشكل قاعدة صناعية يمكن أن تتوسع مع تقدم المشروع ودخول مكوناته المختلفة حيز التشغيل.

ويستهدف هذا التوجه تحويل المنطقة إلى بيئة جاذبة للأنشطة الإنتاجية والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية، مستفيدة من قربها من الميناء وتوافر إمكانات النقل والتخزين والتوزيع. ويمنح هذا التكامل الشركات فرصة لخفض بعض تكاليف الإمداد وتحسين إدارة عملياتها، فضلًا عن تسهيل وصول منتجاتها إلى الأسواق المستهدفة.

كما يمكن للمنطقة الصناعية أن تتيح فرصًا أمام المقاولات المحلية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة في سلاسل التوريد، من خلال توفير خدمات الصيانة والنقل والتعبئة والتخزين والخدمات المهنية وغيرها من الأنشطة المساندة.

وتتوقف قدرة هذه المنطقة على تحقيق أهدافها على استمرار استقطاب المستثمرين، وتوفير بيئة أعمال مناسبة، وتأهيل العمالة المحلية بما يتوافق مع احتياجات الأنشطة الصناعية الجديدة. ومن شأن نجاح هذه العناصر أن يعزز الروابط بين الاستثمارات الكبرى والاقتصاد المحلي، ويوسع نطاق الاستفادة من المشروع خارج حدوده المباشرة.

ويعكس وجود مصانع دخلت مرحلة التشغيل وأخرى قيد الإنشاء انتقال المشروع تدريجيًا من مرحلة تطوير البنية التحتية إلى مرحلة تهيئة النشاط الاقتصادي، وهي مرحلة تكتسب أهمية خاصة في تحويل الاستثمارات المرصودة إلى إنتاج وخدمات وفرص عمل فعلية.

21 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة

يبرز البعد الاجتماعي ضمن الأهداف التي يسعى مشروع الناظور غرب المتوسط إلى تحقيقها، إذ لا تقتصر أهميته على تعزيز التجارة وتطوير الصناعة والطاقة، بل تمتد إلى توفير فرص عمل جديدة وتحفيز النشاط الاقتصادي في المناطق المجاورة.

وبحسب بيان الديوان الملكي، يُنتظر أن يسهم المشروع، على المدى القريب، في خلق نحو 1400 فرصة عمل مباشرة، إضافة إلى 20 ألف فرصة عمل غير مباشرة، بما يعكس اتساع نطاق الأنشطة التي يمكن أن تستفيد من تشغيل الميناء والمنطقة الصناعية والمنشآت المرتبطة بهما.

وتشمل فرص العمل المباشرة الوظائف المرتبطة بتشغيل المرافق المينائية والصناعية والطاقية، بينما ترتبط الفرص غير المباشرة بالأنشطة والخدمات التي تنشأ لدعم هذه المرافق، مثل النقل والتخزين والصيانة والتوريد والخدمات التجارية والمهنية.

ويمثل هذا الأثر المتوقع فرصة لتعزيز النشاط الاقتصادي المحلي، خاصة إذا اقترن بتوفير برامج تدريب وتأهيل تساعد أبناء المناطق المجاورة على اكتساب المهارات المطلوبة للعمل في القطاعات الجديدة.

كما أن توسع النشاط الصناعي واللوجيستي يمكن أن يخلق طلبًا إضافيًا على المنتجات والخدمات المحلية، ويفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة لتطوير أعمالها والاستفادة من التعاقدات المرتبطة بالمشروع.

وتبرز هنا أهمية ربط الاستثمارات الكبرى بسياسات تنموية أوسع، تضمن توسيع فرص مشاركة السكان المحليين في النشاط الاقتصادي، وتحويل النمو في حجم الأعمال إلى مكاسب ملموسة في التشغيل والدخل وتنمية المهارات.

تنمية مجالية تعزز تنافسية الاقتصاد المغربي

تؤكد الرؤية التي عرضها الديوان الملكي أن مشروع الناظور غرب المتوسط يأتي ضمن توجه أشمل يستهدف تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي الوطني والتنمية المجالية، من خلال توزيع أفضل للاستثمارات العمومية وتعبئة التمويلات الخاصة وخلق فرص جديدة للعمل.

ويعكس هذا التوجه أهمية الانتقال من التركيز على إنشاء البنية التحتية وحدها إلى بناء منظومات اقتصادية متكاملة، ترتبط فيها الموانئ بالمناطق الصناعية والخدمات اللوجيستية والمنشآت الطاقية، بما يضاعف العوائد الاقتصادية للاستثمارات.

كما أن استكمال العرض الذي يوفره طنجة المتوسط عبر إنشاء الناظور غرب المتوسط يمنح المغرب فرصة لتوسيع قدراته في مجال النقل البحري، وتنويع مراكز النشاط المينائي، وتعزيز جاذبيته أمام المستثمرين والشركات الدولية.

ومع اقتراب تشغيل المحطة الأولى للحاويات، والاستعداد لدخول المحطة الثانية الخدمة في أبريل 2027، واستمرار تطوير المرافق الصناعية والطاقية، تتجه أهمية المشروع إلى المرحلة التي ستحدد مدى قدرته على استقطاب الاستثمارات وتحويل طاقاته التشغيلية إلى نشاط اقتصادي مستدام.

وفي المحصلة، يمثل ميناء الناظور غرب المتوسط رهانًا مغربيًا على التكامل بين التجارة والصناعة والطاقة، بما يدعم مكانة المملكة في شبكات الإمداد الدولية، ويوفر فرصًا لتوسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز التشغيل والتنمية المحلية.

وبين استثمارات بلغت 54 مليار درهم، وطاقة استيعابية مرتقبة لمحطتي الحاويات تصل إلى 5.3 مليون حاوية، ومنشآت طاقية وصناعية متعددة، يسعى المشروع إلى ترسيخ نموذج تنموي يجمع بين التنافسية اللوجيستية والانفتاح على الأسواق العالمية، وبين خلق القيمة المضافة وتوسيع فرص العمل داخل المناطق المستفيدة من هذا التحول الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى