سلام الشاشات وضمير الإنسانية المستتر

بقلم : المستشارة تهاني التري
في زحمة هذا العصر المتسارع والمثقل بالمتغيرات، انشطر الإنسان المعاصر بين عالمين: عالم افتراضي يمنحه وهماً بالاستقرار، وعالم واقعي يئن تحت وطأة القسوة والجفاف العاطفي. لقد بات “السلام الإلكتروني” الذي نعيشه خلف الشاشات المضيئة، ملاذاً نهرب إليه من ضجيج واقعٍ فقد بوصلته، في مفارقة مبكية تجعلنا نتساءل: متى أصبحت الخوارزميات أقرب إلينا من نبض قلوبنا؟
الرحمة أصبحت ضمير غائبٌ مستتر، ففي قواعد لغتنا العربية، يحمل “الضمير المستتر” دلالة الوجود الخفي، لكن في قاموس أيامنا هذه، أصبحت الرحمة هي الضمير الغائب المستتر الذي لا أثر له ولا تقدير. لقد تآكلت القيم في زمنٍ لم يعد فيه متسع للضعيف، ولا مساحة لمن يتشبث بأخلاقه الحميدة. أصبح اللين يُصنف ضعفاً، والنقاء يُعد سذاجة، وكأن مجتمعاتنا قد سنّت قانوناً غير مكتوب ينص على أن البقاء للأقسى، وأن النجاة لمن يجيد التخلي عن مبادئه في أول منعطف.
عزلة الوجوه ولغة الشاشات التي أصابتنا بعمى العاطفة؛ فأصبحنا نُطيل النظر في شاشاتنا وهواتفنا الذكية أكثر بكثير من النظر في عيون بعضنا البعض. نستجدي الإعجاب الافتراضي، ونبني علاقات من زجاج خلف لوحات المفاتيح، بينما نجلس في الغرفة ذاتها مع أقرب الناس إلينا يفصل بيننا جدار من الصمت والعزلة. لقد سرقت الشاشات دفء التواصل، وحولت الإنسان إلى كائن منبهر بضوء أزرق، غافلٍ عن دفء الشمس ونور الإنسانية.
حين تفقد الوجيعة رهبتها حيث أصبحنا نعتاد المأساة، وأشد ما يدمي القلب في مجتمعاتنا اليوم، هو “تطبيع المأساة”. لقد كثرت المشاهد الموجعة حتى تبلدت مشاعرنا تجاهها. فالجوعى على الأرصفة: نمر بهم كأنهم جزء من جماد الطريق، لا يحركون فينا ساكناً، بيوت الفقراء المتهالكة: تلك التي تستند حجارتها على بعضها بخجل، بالكاد تقي ساكنيها برد الشتاء أو قسوة الصيف، نراها وكأنها ديكور عابر في مشهد حياتنا اليومية، طفولة مسلوبة: أطفال بأعمار الزهور، كُسرت براءتهم وسُلبت حريتهم، زُجّ بهم في قسوة العمل اليومي. أيديهم الصغيرة التي خُلقت لتمسك بأقلام التلوين، باتت خشنة من حمل أعباء البحث عن لقمة عيشٍ مغمسة بعرق القهر، لينقذوا عائلاتهم من براثن الجوع.
وبين كل هذا وذلك يولد صمت الإرادة، حيث لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم، ومع كل هذه المشاكل التي طفت على أسطح مجتمعاتنا كزبد البحر، اختار الأغلبية العظمى التقوقع في فقاعتهم الخاصة. لقد تبنينا، بوعي أو بدون وعي، فلسفة “لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم”. نغض الطرف عن الظلم كي لا نتحمل عبء الموقف، ونصم آذاننا عن صرخات المحتاجين كي لا يزعجنا أنينهم، ونكتم أصواتنا عن قول الحق كي لا نفقد مكاسبنا الهشة. إنه هروب جماعي من مسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان.
“إن أسوأ ما قد يصيب أمة من الأمم ليس الفقر أو الجوع، بل موت الإحساس في قلوب أبنائها، وتحول معاناة الآخرين إلى مجرد مشهد عابر لا يستحق التوقف.”
وفي خاتمة قد لا تعبر عن اي شيء، أصبح السلام الإلكتروني الذي نختبئ خلفه ليس سوى تخدير مؤقت لجراحٍ تنزف في جسد الإنسانية. لن يستقيم هذا العالم ولن يجد سلامه الحقيقي ما دامت الرحمة غائبة، وما دام الضعيف يخشى الحياة، وما دام الأطفال يدفعون فاتورة عجز الكبار. إننا اليوم بحاجة ماسة إلى بوصلة أخلاقية تعيد للإنسانية وجهتها الحقيقية، وتنتشلنا من عزلة الشاشات لنعود إلى رحاب القلوب.. لعلنا نُعرب الرحمة يوماً ما لتكون “فعلاً ظاهراً ملموساً” بدلاً من أن تبقى مجرد ضميرٍ مستتر يعيش في غياهب النسيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى