الحماية القانونية للطفل والأسرة في الفضاء الرقمي .. ورقة عمل للدكتورة منى طه عامر في ملتقى الأسرة العربية

علاء حمدي
نحو تشريعات أكثر فاعلية ووعي مجتمعي يحمي الأطفال من مخاطر العالم الرقمي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وما تفرضه من تحديات جديدة على الأسرة العربية، شاركت الدكتورة منى طه عامر، أستاذ القانون الدولي، بورقة عمل تناولت «الإطار التشريعي لحماية الطفل والأسرة من البيئة الرقمية»، وذلك خلال فعاليات الملتقى الرابع عشر لمجلس الأسرة العربية للتنمية، أحد مجالس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، تحت رعاية جامعة سيناء، وبقيادة الأستاذ الدكتور حسن راتب، رئيس مجلس أمناء الجامعة، وإشراف الدكتور أشرف عبد العزيز، الأمين العام للاتحاد وبرئاسة الدكتورة آمال إبراهيم، رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية.
وشاركت الدكتورة منى طه عامر استاذ القانون المدني والتحكيم الدولي في الملتقى الرابع عشر لمجلس الأسرة العربية للتنمية بورقة عمل تحت عنوان الحماية القانونية للطفل والأسرة في الفضاء الرقمي
وجاءت المشاركة في إطار الاهتمام المتزايد بتعزيز الحماية القانونية للطفل والأسرة، ومناقشة الآليات التي يمكن من خلالها مواجهة المخاطر الناشئة عن الاستخدام المتزايد للمنصات الرقمية، في ظل ما يشهده العالم من تطورات تكنولوجية متلاحقة تتطلب استجابة تشريعية ومجتمعية أكثر فاعلية.
البيئة الرقمية.. تحديات تتجاوز حدود الشاشة
تناولت ورقة العمل التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في حياة الأطفال والأسر، حيث لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبح جزءًا أساسيًا من عملية التعلم والتنشئة الاجتماعية وتكوين الوعي لدى الأجيال الجديدة.
وفي المقابل، أفرز هذا التحول تحديات متعددة، من بينها التنمر الإلكتروني، والابتزاز والاستدراج عبر الإنترنت، والاستغلال الجنسي والرقمي للأطفال، والتعرض للمحتوى غير الملائم للعمر، فضلًا عن مخاطر انتهاك الخصوصية والبيانات الشخصية، وتأثير الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية على الصحة النفسية للأطفال وعلى طبيعة العلاقات داخل الأسرة.
كما تبرز تحديات جديدة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي يمكن إساءة استخدامها في إنتاج صور ومقاطع مزيفة تستهدف الأطفال أو أفراد الأسرة، بما يضاعف الحاجة إلى تطوير أدوات الحماية القانونية والتقنية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بهذه المخاطر.
وتتجاوز آثار هذه التحديات الطفل وحده، لتطال الأسرة بأكملها؛ إذ قد يؤدي ضعف الحوار الأسري والانشغال المستمر بالشاشات إلى تراجع التواصل بين أفراد الأسرة، في الوقت الذي تحتاج فيه التنشئة السليمة إلى الحضور النفسي والتفاعل الإنساني المباشر.
الدستور والتشريعات الوطنية أساس للحماية
واستعرضت ورقة العمل الأسس القانونية التي تستند إليها حماية الطفل والأسرة في مصر، وفي مقدمتها الدستور المصري، الذي أكد في المادة 80 حقوق الطفل والتزام الدولة بحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة والاستغلال، مع مراعاة مصلحته الفضلى.
كما تناولت أهمية المادة 57 المتعلقة بحرمة الحياة الخاصة وسرية المراسلات، والمادة 31 المرتبطة بأمن الفضاء المعلوماتي، إلى جانب المادة 10 التي تؤكد أهمية الأسرة ودور الدولة في الحفاظ على تماسكها واستقرارها.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، فضلًا عن التشريعات المنظمة للاتصالات والإعلام، باعتبارها أطرًا قانونية تتكامل في مواجهة صور مختلفة من المخاطر الرقمية.
وأكدت المناقشة أهمية التعامل مع هذه التشريعات باعتبارها منظومة متكاملة، مع العمل على مراجعة النصوص القائمة وتطويرها كلما اقتضت الحاجة، بما يضمن مواكبة المستجدات التكنولوجية، وسد الثغرات التي قد يستغلها مرتكبو الجرائم الرقمية.
كما تكتسب الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل أهمية خاصة في هذا السياق، إلى جانب تعليق لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة العام رقم 25 لسنة 2021 بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية، الذي يؤكد ضرورة حماية حقوق الأطفال في العالم الرقمي، تمامًا كما تُحمى حقوقهم في العالم الواقعي.
حماية الطفل تتطلب مسؤولية مشتركة
وأبرزت ورقة العمل أن المواجهة الفعالة للمخاطر الرقمية لا يمكن أن تعتمد على التشريع وحده، بل تتطلب توزيعًا واضحًا للمسؤوليات بين الدولة والمنصات الرقمية والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية.
فالدولة مطالبة بتوفير إطار قانوني فعال وآليات رقابة ومساءلة، بينما تتحمل المنصات الرقمية مسؤولية تطوير بيئات أكثر أمانًا، وتيسير الإبلاغ عن المحتوى الضار والانتهاكات، وتعزيز حماية بيانات الأطفال.
أما الأسرة، فيبقى دورها أساسيًا في بناء وعي الأبناء، ومساعدتهم على التمييز بين الاستخدام الآمن والخطير للتكنولوجيا، وتشجيعهم على طلب المساعدة عند التعرض للتهديد أو الابتزاز، دون خوف من اللوم أو العقاب.
وتبرز كذلك مسؤولية المؤسسات التعليمية والإعلامية في نشر الثقافة الرقمية، وتقديم محتوى توعوي مبسط يساعد الأطفال وأولياء الأمور على فهم المخاطر وطرق الوقاية منها.
أبرز التوصيات المقترحة لتعزيز الحماية القانونية والرقمية
في ضوء المحاور التي تناولتها ورقة العمل، يمكن بلورة مجموعة من التوصيات العملية التي تستهدف الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، وتعزيز قدرة المجتمع على حماية الأطفال والأسر من المخاطر الرقمية.
أولًا: تطوير التشريعات وآليات تطبيقها
مراجعة التشريعات الوطنية ذات الصلة بحماية الطفل والبيانات الشخصية والجرائم الإلكترونية، والعمل على مواكبتها للتطورات المتسارعة، خاصة في ما يتعلق بالتزييف العميق والاستغلال الرقمي والابتزاز عبر الإنترنت، مع ضمان التناسب بين تدابير الحماية والحقوق الدستورية للأفراد.
ثانيًا: تعزيز مسؤولية المنصات الرقمية
وضع آليات واضحة لمساءلة المنصات عن أوجه القصور في حماية الأطفال، وتيسير الإبلاغ عن الانتهاكات، وسرعة التعامل مع المحتوى الذي ينطوي على استغلال أو تهديد، وتطوير أدوات مناسبة للعمر تحد من تعرض الأطفال للمخاطر، وفقًا للقوانين المنظمة.
ثالثًا: حماية بيانات الأطفال وخصوصيتهم
تعزيز الضمانات المتعلقة بجمع بيانات الأطفال واستخدامها ومشاركتها، والحد من الاستغلال التجاري غير المشروع لها، مع توعية أولياء الأمور بمخاطر نشر الصور والتفاصيل الشخصية للأبناء على مواقع التواصل الاجتماعي دون مراعاة لخصوصيتهم ومستقبلهم.
رابعًا: إطلاق برامج للتوعية الرقمية الأسرية
إعداد برامج توعوية تستهدف الآباء والأمهات والأطفال، تتناول مخاطر التنمر والابتزاز والاستدراج الإلكتروني، وطرق حماية الحسابات والبيانات الشخصية، وكيفية التصرف عند التعرض لأي انتهاك، مع التأكيد على أهمية احتواء الطفل ودعمه بدلًا من لومه.
خامسًا: إدماج الثقافة الرقمية في التعليم
تطوير برامج تعليمية وتدريبية تساعد الأطفال على الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وتنمي مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، والتعامل الواعي مع المحتوى الرقمي، وتعرّفهم بحقوقهم وواجباتهم في الفضاء الإلكتروني.
سادسًا: تأهيل المتخصصين في حماية الطفل
تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية للعاملين في التعليم والإعلام والإرشاد الأسري والجهات المعنية بحماية الطفل، لتمكينهم من اكتشاف مؤشرات التعرض للأذى الرقمي، والتعامل معها بطريقة مهنية تراعي احتياجات الأطفال النفسية والاجتماعية وحقوقهم القانونية.
سابعًا: إنشاء مسارات متكاملة للإبلاغ والدعم
تعزيز التنسيق بين الجهات المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية ومؤسسات حماية الطفل والدعم النفسي والاجتماعي، بما يضمن سهولة الإبلاغ وسرعة التدخل وتقديم المساعدة القانونية والنفسية للمتضررين، مع الحفاظ على سرية بياناتهم وكرامتهم.
ثامنًا: تحقيق التوازن بين الحماية والحقوق الرقمية
التأكيد على أن حماية الأطفال لا تعني حرمانهم من التكنولوجيا أو تقييد وصولهم إلى المعرفة دون مبرر، وإنما توفير بيئة رقمية آمنة تراعي أعمارهم واحتياجاتهم، وتحمي حقوقهم في التعلم والتعبير والخصوصية.
تاسعًا: دعم البحث العلمي ورصد المخاطر المستجدة
تشجيع الدراسات الميدانية التي تقيس تأثير الاستخدام الرقمي على الصحة النفسية للأطفال والعلاقات الأسرية، والاستفادة من نتائجها في تطوير التشريعات والسياسات والبرامج الوقائية، مع تحديث أدوات التوعية كلما ظهرت أنماط جديدة من المخاطر.
عاشرًا: بناء شراكة مؤسسية مستدامة
تعزيز التعاون بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية والتعليمية والإعلامية والمجتمع المدني، ووضع خطط عمل تتضمن أهدافًا محددة ومؤشرات لقياس النتائج، لضمان تكامل الجهود وعدم اقتصارها على المبادرات الموسمية أو حملات التوعية قصيرة الأجل.
من التوصيات إلى التنفيذ.. خطوة ضرورية لحماية الأسرة
إن القيمة الحقيقية لأي نقاش قانوني أو مجتمعي حول حماية الطفل في البيئة الرقمية تكمن في قدرته على إحداث تغيير ملموس في الواقع. ومن هنا، تبرز أهمية تحويل التوصيات إلى برامج قابلة للتطبيق، تشمل ورش عمل للأسر، وتدريبًا متخصصًا للعاملين مع الأطفال، وأدلة إرشادية مبسطة، وآليات واضحة لتلقي البلاغات ومتابعتها، إلى جانب تقييم دوري لفاعلية الإجراءات المتخذة.
كما أن نجاح هذه الجهود يرتبط بوجود خطاب توعوي متوازن لا يقوم على التخويف من التكنولوجيا أو رفضها، وإنما يساعد الأسرة على فهمها والتعامل معها بوعي، ويمنح الطفل القدرة على الاستفادة من إمكاناتها مع إدراك مخاطرها وحدود الاستخدام الآمن لها.
وتأتي هذه المشاركة في إطار الدور الذي يضطلع به مجلس الأسرة العربية للتنمية في مناقشة القضايا التي تمس استقرار الأسرة العربية، وفتح مساحات للحوار العلمي وتبادل الخبرات بين المتخصصين، بما يدعم بناء سياسات أكثر فاعلية لمواجهة التحديات الاجتماعية والتكنولوجية المعاصرة.
وتبقى حماية الطفل في الفضاء الرقمي مسؤولية مشتركة تتطلب تشريعات مواكبة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، ومنصات تتحمل مسؤولياتها، وأسرة تمتلك الوعي والأدوات اللازمة. فالهدف ليس إبعاد الأطفال عن العالم الرقمي، بل تمكينهم من دخوله بأمان ووعي، وضمان أن تظل التكنولوجيا وسيلة للتعلم والنمو والتواصل، لا بابًا للاستغلال أو الإيذاء.
فحماية الطفل رقميًا ليست مجرد قضية تقنية أو قانونية، بل قضية تتعلق بأمن الأسرة واستقرار المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى