بناء طريق نحو السلام: العمل معاً من أجل إعادة الأطفال الأوكرانيين والمدنيين المحتجزين وأسرى الحرب

(المقال المشترك للرأي بقلم كل من: أولريك شانون، سفير كندا لدى مصر، وميكولا ناهورني، سفير أوكرانيا لدى مصر، وإريك ب. هوسم، سفير مملكة النرويج لدى مصر)
تتوقف الحياة في أوكرانيا في تمام الساعة التاسعة من كل صباح.
تبثّ مكبّرات الصوت في مختلف المدن الأوكرانية دقات ساعة منتظمة، بدلاً من التحذيرات التي تبثّها عادةً للتنبيه إلى الغارات الجوية الروسية الوشيكة.
فيخيّم الصمت على شوارع المدن التي كانت تعجّ بالحياة.
وتتحوّل إشارات المرور إلى اللون الأحمر، فتتوقّف السيارات.
ويقف بلد بأكمله دقيقة صمت.
إنها دقيقة الصمت التي تحييها أوكرانيا يومياً في شتى أنحاء البلاد، تخليداً لذكرى من فقدوا أرواحهم في الحرب الروسية غير المشروعة. ويقف الأوكرانيون دقيقة صمت في أماكن العمل والمنازل والمدارس والأسواق وعلى الطرق السريعة، إجلالاً لمن ضحّوا بأرواحهم دفاعاً عن سيادة وطنهم وحريته، واستذكاراً لآلاف المدنيين الذين أودى العدوان الروسي بحياتهم.
ويعكس هذا الصمت مرارة الغياب التي تعيشها آلاف الأسر، وهي تنتظر بلهفة عودة أحبائها إلى ديارهم.
ومن بين هؤلاء آلاف الأطفال الأوكرانيين الذين نقلتهم روسيا قسراً ورحّلتهم بصورة غير مشروعة خلال حربها. وقد حُرم هؤلاء الأطفال من أسرهم ومجتمعاتهم، وجُرّد كثير منهم من مقوّمات هويتهم الأساسية، بما فيها لغتهم وثقافتهم، بل حتى أسماؤهم.
ثم هناك مدنيون أيضاً محتجزون بصورة غير مشروعة في الأراضي التي تحتلها روسيا مؤقتاً. وقد عانى كثير منهم من تبعات تعليم لغتهم، أو ممارسة ثقافتهم، أو التعبير عن رفضهم للاحتلال، أو نقل الحقيقة بشأن ما شهدوه. ونُقل بعضهم إلى مراكز احتجاز داخل روسيا، حيث يُحتجزون دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، ويُحرمون من التواصل مع أحبائهم ومن الحصول على الرعاية الطبية المناسبة، دون أن تخضع ظروف احتجازهم لرقابة مستقلة.
أما بالنسبة لأسرى الحرب الأوكرانيين المحتجزين لدى روسيا، فلا تزال ظروف احتجازهم تثير قلقاً مماثلاً. فقد أفاد أسرى الحرب العائدون بتعرّضهم لمعاملة قاسية، في حين وثّقت هيئات مستقلة انتهاكات واسعة النطاق، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.
هذه ليست مجرد تداعيات جانبية للحرب الروسية، بل إن الأفعال التي ترتكبها روسيا تشكّل انتهاكات متكررة وموثّقة للقانون الدولي، تُرتكب على نطاق واسع في محاولة لكسر إرادة الشعب الأوكراني.
ووراء كل حالة قصة إنسانية: أب أو أم ينتظران عودة طفلهما، وزوج أو زوجة يترقّبان مكالمة هاتفية، وأسرة تنتظر عودة أحد أحبائها إلى الديار.
نحن ندرك أن المقياس الحقيقي للسلام يتجلّى في هذه القصص الإنسانية ويتجسّد في عودة طفل إلى أسرته، والإفراج عن مدني من الاحتجاز غير المشروع، ولمّ شمل أسير حرب بأحبائه، وإتاحة الفرصة لمجتمع كي يتعافى ويعيد البناء.
إن هذه القضية بالغة التعقيد والاتساع، ولا يمكن لأي دولة أو منظمة معالجتها بمفردها. ويتطلب النجاح في معالجتها تعاوناً مستداماً بين الحكومات والمنظمات الدولية والجهات الفاعلة في المجال الإنساني والمجتمع المدني.
ولهذا السبب، ستجمع كندا والنرويج وأوكرانيا وزراء الخارجية والشركاء الدوليين في تورونتو يومي 28 و29 سبتمبر 2026، للمشاركة في “مسارات نحو السلام: المؤتمر الدولي الثاني لإعادة الأطفال الأوكرانيين والمدنيين المحتجزين وأسرى الحرب”.
واستكمالاً للتقدم المحرز في المؤتمر الوزاري الذي استضافته دولنا الثلاث في كندا عام 2024 بشأن الموضوع ذاته، سيجمع المؤتمر الشركاء الدوليين لدعم جهود أوكرانيا الرامية إلى إعادة الأطفال الأوكرانيين المُرحّلين والمدنيين المحتجزين وأسرى الحرب، وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في مجتمعاتهم.
إن عودتهم ضرورة إنسانية وعنصر أساسي في أي عملية سلام، إذ تسهم في بناء الثقة وإرساء أسس سلام عادل ودائم يصون الكرامة الإنسانية. فعودة كل شخص تعني لمّ شمل أسرة، ولمّ شمل كل أسرة يعزّز تماسك المجتمع، وازدهار كل مجتمع يسهم في إعادة بناء أوكرانيا.
وهكذا، يقف ملايين الأوكرانيين كل صباح دقيقة صمت إحياءً لذكرى من رحلوا ومن لم يعودوا إلى ديارهم بعد، ثم يواصلون، بشجاعة استثنائية وبراعة، إصلاح ما دمّرته روسيا، ورعاية بعضهم بعضاً، وتعزيز تماسك المجتمعات التي سعى العدوان الروسي إلى تمزيقها.
ونأمل أن ينجح مؤتمر “مسارات نحو السلام” في حشد جهود المجتمع الدولي، لا ليشارك أوكرانيا الوقوف دقيقة صمت إحياءً لذكرى من رحلوا فحسب، بل ليتكاتف معها في اتخاذ خطوات ملموسة تسهم في إعادة كل طفل مُرحّل، وكل مدني محتجز، وكل أسير حرب إلى دياره، ولمّ شملهم بأحبائهم.



