محمد ثروت فى ورشة بمؤتمر الإفتاء: غياب المحتوى العربى للطفل يترك الأجيال أمام بدائل رقمية

كتبت سوزان مرمر

شارك الكاتب الصحفي الدكتور محمد ثروت، خبير الإعلام الرقمي، فى أعمال ورشة «الإعلام الرقمى والأسرة: استراتيجيات نشر الوعى الأسرى ومواجهة المحتوى الهدام»، التى نظمها مركز سلام لدراسات التطرف ومكافحة الإسلاموفوبيا، ضمن فعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم.

وجاءت الورشة فى ثاني أيام المؤتمر المنعقد يومى 2 و3 سبتمبر 2026، تحت عنوان «التحديات الأسرية فى ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».

 

وخلال مداخلته، طرح الدكتور محمد ثروت قضية الفجوة الكبيرة في المحتوى الرقمي العربي الموجه إلى الأطفال، مشيرًا إلى أن الطفل العربي يدخل العالم الرقمي يوميًا عبر منصات وألعاب وتطبيقات عالمية، بينما لا يزال المحتوى العربى المتخصص الذى يخاطب احتياجاته العمرية والثقافية والقيمية محدودًا للغاية.

 

وأكد ثروت أن التحدي لم يعد يتمثل فقط في حماية الطفل من المحتوى الضار، وإنما في السؤال الأهم: ماذا نقدم للطفل العربي كبديل رقمى جذاب؟

 

وأوضح أن مواجهة المحتوى الهدام لا يمكن أن تقوم على الحجب والمنع وحدهما، لأن الطفل سيبحث دائمًا عن البديل، مؤكدًا ضرورة الانتقال إلى مرحلة صناعة محتوى عربي قادر على المنافسة، سواء عبر منصات رقمية مخصصة للأطفال أو إنتاج أعمال كرتونية وتعليمية وتفاعلية، فضلًا عن تطوير **ألعاب إلكترونية عربية* تحمل محتوى معرفيًا وثقافيًا وقيميًا بلغة وأسلوب يناسبان الجيل الجديد.

 

وأشار إلى أن صناعة المحتوى الموجه للأطفال أصبحت جزءًا من معركة بناء الوعي والهوية، لافتًا إلى أن اللعبة الإلكترونية أو الفيديو القصير أو الشخصية الكرتونية قد تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا في الطفل من الرسائل التقليدية، بسبب قدرتها على التفاعل والتكرار وصناعة الارتباط العاطفي.

 

وأضاف أن المطلوب هو بناء منظومة متكاملة للمحتوى العربي للطفل تشارك فيها المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية والتقنية، إلى جانب شركات التكنولوجيا والمطورين والمبدعين، بحيث لا يكون الطفل العربي مجرد مستهلك للمحتوى العالمي، وإنما يتحول إلى متلقٍ ومشارك وصانع للمحتوى.

 

وتأتي هذه الرؤية في صلب موضوعات الورشة التي ركزت على تعزيز حضور الأسرة في البيئة الرقمية، وتطوير خطاب إعلامي ودعوي قادر على المنافسة والتأثير، وبناء شراكات بين المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية والتقنية لحماية الأسرة وتمكينها من التعامل الرشيد مع تحديات العصر الرقمي.

 

من «الحماية» إلى «المنافسة»

وشدد ثروت على ضرورة تغيير طريقة التفكير في التعامل مع العالم الرقمي، من الاكتفاء بمحاولة منع الطفل من الوصول إلى المحتوى غير المناسب، إلى صناعة محتوى أفضل يستطيع منافسة المحتوى الذي يجذب الطفل بالفعل.

 

وقال إن الخوارزميات لا تمنح الأفضلية بالضرورة للمحتوى الأكثر قيمة، وإنما للمحتوى القادر على جذب الانتباه، وهو ما يجعل الاستثمار في جودة الفكرة والإخراج والتفاعل عنصرًا أساسيًا في أي مشروع عربي يستهدف الأطفال.

 

وأكد أن الأسرة بدورها تحتاج إلى أدوات جديدة لفهم البيئة الرقمية، لأن «الحضور الرقمي» أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وهو ما ناقشته الورشة باعتباره أحد أبرز التحديات الجديدة التي تواجه الأسرة والمجتمع.

 

الطفل يحتاج إلى «بديل جذاب»

وأشار خبير الإعلام الرقمي إلى أن الطفل لا يمكن التعامل معه باعتباره متلقيًا سلبيًا يحتاج إلى أوامر بالابتعاد عن الهاتف أو اللعبة، وإنما باعتباره مستخدمًا رقميًا يبحث عن المتعة والتفاعل والاكتشاف.

 

ومن هنا، فإن إنتاج ألعاب إلكترونية عربية ومحتوى تفاعلي للأطفال يمكن أن يمثل، بحسب هذه الرؤية، أداة للقوة الناعمة وبناء الهوية، خصوصًا إذا جرى تقديم القيم والثقافة العربية في قوالب حديثة لا تبدو للطفل وكأنها دروس مباشرة.

 

كما دعا إلى دمج التربية الإعلامية والرقمية في العملية التعليمية، وتعليم الأطفال مهارات التفكير النقدي وطرح الأسئلة حول مصدر المحتوى وأهدافه والجهة المستفيدة من انتشاره، وهي من التوصيات التي أكدت عليها الورشة في إطار تعزيز الوعي الإدراكي والمواطنة الرقمية.

 

ورشة تجمع الخبراء ورجال الدين والمتخصصين

وأدارت الورشة الدكتورة *شريفة نعمان العمادي، المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، فيما تولى أمانتها حسن محمد*، المدير التنفيذي لمركز سلام لدراسات التطرف ومكافحة الإسلاموفوبيا.

 

وشهدت الورشة مشاركة نخبة من الخبراء والمسؤولين ورجال الدين والمتخصصين، من بينهم المستشار أمير فتحي، نائب رئيس محكمة الاستئناف العالي، والشيخ مصطفى سباهيتش، مفتي بلجراد، والدكتور عمرو الورداني، رئيس لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بمجلس النواب المصري، والمقدم الدكتور علي بدوي، خبير الأمن السيبراني بالقوات المسلحة، والدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس الشباب المصري، والشيخ عويضة عثمان، مدير عام الإدارة العامة لمركز الإرشاد الزواجي بدار الإفتاء المصرية.

 

كما شارك في الورشة المستشار طارق رزق حداد، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، والدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، والدكتورة داليا عبد الرحيم، رئيس تحرير جريدة البوابة، والدكتور نور أسامة، عضو مجلس إدارة المجلس القومي للطفولة والأمومة، والدكتورة مروة مدحت، رئيس قسم الجريمة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، والأستاذ إسلام المراغي، مدير برنامج دراسات التطرف والإرهاب بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، إلى جانب الدكتور محمد ثروت.

 

وتناولت الورشة عددًا من الملفات المرتبطة بالعلاقة بين الأسرة والفضاء الرقمي، من بينها أنماط الخطاب المعادي للأسرة، وآليات إنتاج المحتوى الداعم للأسرة، والتواصل مع الشباب، وحماية الأطفال والمراهقين من المحتوى الضار، إلى جانب تجربة دار الإفتاء المصرية في تنمية الوعي الأسري عبر الإعلام الرقمي.

 

واختتم المشاركون بالتأكيد على ضرورة الانتقال من مفهوم الأمن التقني إلى الأمن الشامل، وتعزيز الأمن السلوكي والمواطنة الرقمية والتفكير النقدي، بحيث يصبح الإنسان الواعي جزءًا أساسيًا من منظومة حماية المجتمع في العصر الرقمي.

 

وتأتي ورشة مركز سلام ضمن فعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الذي يشارك فيه كبار المفتين والوزراء والعلماء والباحثون من نحو 80 دولة، تحت عنوان يناقش مستقبل الأسرة وحمايتها في ظل التحولات الكبرى.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى