https://fifa234.football/ https://www.johnhallconstr.com/ https://petsmags.com/ https://oxy-gencombustion.com/ https://fuyudrumz.com/ https://paito234.com/ https://toranokoshien.com/
" ألغاز تاريخية" .. شفرة بوسان : رجل الأسرار يسجل اللغز مرموزا! - مدن

” ألغاز تاريخية” .. شفرة بوسان : رجل الأسرار يسجل اللغز مرموزا!

كتبت سوزان مرمر

في عام 1638/1639م ظهر إلي النور عمل فني جديد بتوقيع الرسام الفرنسي “نيكولا بوسان” Nicolas Poussin ،العمل يحمل اسم ( رعاة أركاديا ) The Arcadian Shepherds وهو عبارة عن رسم بالزيت على قماش ( الكانفاه ) ،بارتفاع 121سم ، وبطول 185سم ، ويصور العمل ثلاثة من الرجال يلتفون حول قبر حجري ، وامرأة تقف في جانب الصورة تنظر إليهم ، كلهم يرتدون ثيابا وصنادل عتيقة الطراز ، وتشير مناظرهم وألبستهم إلي مرجعيتهم كمنتمين إلي ( أركاديا ) القديمة ، أركاديا اليونانية التي كانت حلما بكرا ، أرض معزولة محاطة بالجبال ، حيث الطبيعة لا تزال عذراء ، والبشر لا يزالون بسطاء على فطرتهم الأولي هذا الحلم النقي الذي تغني به ( فيرجيل )  Vergilius ، والحلم القديم بالجنة ( الأركادية ) تمثل في منظر الرعاة ، الذي يجسد حلم شاعر روما الكبير ، في قصائده الرعوية المعروفة باسم  إكلوغاي أو Eclogues ، التي تغني فيها بأحلام الطبيعة وسحر البراءة في أركاديا القديمة المعزولة المشتهاة ، عامة يعتبر الناقدون المحدثون أن لوحة ( رعاة أركاديا ) متأثرة بأشعار ” فيرجيل ” الرعوية وتمثل تجسيدا لها .

 

رعويات فيرجيل ألهمت الكثير من الفنانين .. منهم ” بوسان ” ورائعته رعاة أركاديا

اللوحة التي تم العمل عليها بتكليف من “كاميلو ماسيمو” Camillo Massimo الأكبر ، وتم إنجاز نسختها الأولي عام 1627 ، بينما ظهرت النسخة الثانية ،الأكثر شهرة وغموضا ،بعدها بنحو أحد عشر عاما، وقد وصلت اللوحة إلي يدي ملك فرنسا “لويس الرابع عشر” ، وأحتفظ بها في قصر اللوفر، في قاعة الذخائر الملكية منذ العام 1685 ، ولم تغادر بيتها الدافئ بعدها ،ولم يكن بإمكان أحد مشاهدتها إلا بإذن من الملك نفسه !

 

تتلخص فكرة اللوحة في الرعاة ،الذين يدرسون باهتمام قبرا مبهما منقوش عليه عبارة أكثر إبهاما وغموضا هي : Et in Arcadia Ego

 

والتي تترجم ( وفي أركاديا أيضا ) ، أو ( وفي أركاديا أيضا أنا موجود ) ، والتي يقول التفسير الأولي البسيط أنها ترمز للموت ، بقوته وسطوته التي تصل حتى الجنة المنعزلة في أركاديا، التي كانت اسما يطلق على منطقة وسط شبه جزيرة ( بلوبونيز) Peloponnese

 

،لكن تفسيرات أخري تجعل الأمر أكثر تعقيدا وغموضا ، فليس الأمر مجرد رعاة بدائيين يتفقدون قبرا غريب الشكل ، ولم يكن “بوسان” نفسه مجرد رسام يفعل ما يؤمر به ، كما أن القبر الموجود باللوحة ليس في أركاديا القديمة ، ولا هو من نسج خيال ، إنما هو موجود فعلا ،وأقرب إلي يد “بوسان” من أركاديا ورعاتها وقصصها الريفية، إن القبر في فرنسا حيث وُلدت ( رعاة أركاديا ) وفنانها الغامض ،ذو التاريخ المحمل بالأسرار ،والتعمق في علاقات مجهولة مع جمعيات وطوائف سرية !

 

بوسان: الفنان الغامض ذو الألف وجه !

 

نيكولا بوسان يصور نفسه بالزيت

ولد “نيكولا بوسان” (1594-1665م) Nicolas Poussin في يوم 15 يونيو من عام 1594 ، ببلدة تابعة لمقاطعة نورماندي بمملكة فرنسا ، في ملكية “هنري الرابع” ، الذي حكم فرنسا من فبراير 1594 وحتى وفاته في الرابع عشر من مايو من عام 1610م ،”بوسان” تلقي تعليما جيدا في صباه ، وتعلم قليلا من اللاتينية ، ويبدو أن موهبته قد تفتحت في سن مبكرة ، وقد تتلمذ على يد رسام يدعي “كوينتين فارين” ، وفي سن الثامنة عشرة نزح “بوسان” إلي باريس ، ربما بحثا عن الشهرة ، وأكمل تلمذته الفنية على يدي “فرديناند إيلي” و”جورج لالماند”، وكان من حسن حظ الفنان الشاب أن وصل إلي باريس في تلك الفترة ، التي كان فيها الفن يلقي رعاية ودعم رسميين سخيين من قبل الملكة “ماري دي مديتشي” Marie de Médicis

 

ولأنه أغرم بالفن والنقوش الإيطالية عزم الفنان الشاب على النزوح مرة أخري ، ولكن إلي روما تلك المرة ، بيد أنه لم يتمكن من الوصول إليها ، بل عاد من البندقية ( فلورنسا) ،ربما كان اعتلال صحته وراء هذا الأمر .

 

التحول الكبير في حياة “بوسان” وولوجه عالم الطبقات العليا بدأ في عام 1622 ، وهو في الثامنة والعشرين من عمره ، بلقائه بشاعر القصر الخاص بالملكة “ماري دي مديتشي” ، المسمي “جيامباتيستا مارينو” ، والذي كلف الفنان الشاب بوضع رسوم لطبعة جديدة من ( تحولات أوفيد ) ، وهو من الأعمال القليلة الموثقة ل”بوسان” ،قبل مرحلته المهمة في روما ، هذه العلاقة مع رجل مقرب من البلاط أفادت “بوسان” كثيرا فيما بعد ، بل إن “مارينو” هو من قدم الدعوة المنتظرة للفرنسي المتفجر موهبة للانتقال إلي عاصمة الفن القديمة .. روما !

 

تحولات بوسان الكلاسيكية

 

ميداس يغتسل في نهر باكتولوس “بوسان” ..تم تنفيذها في نفس التاريخ مع النسخة الأولي من رعاة أركاديا

في روما تفتحت عبقرية “بوسان” ، وحاز على رعاية كبار الشخصيات ، وتميز أسلوبه بالدمج بين التأثير العصري في الرسم ، والتأثيرات الحية للفنون القديمة ، وبنظرة سريعة ندرك ولع الفنان بالموضوعات الدينية والأسطورية ، والقصص المستقاة من الكتاب المقدس ، في لوحاته التي تضم أسماء جديرة بلفت الأنظار نذكر منها :

 

الطاعون في أشدود ( 1630م ) ، حكم سليمان ( 1649م ) ، رجال أريحا المكفوفين ( 1650م) ، تدمير القدس ( 1637م) ،العبرانيون يجمعون المن ( 1639م ) ، ومجموعة ( الأسرار السبعة ) التي رسمها بين عامي 1637و1640م ، وقبل ذلك كله تأتي رائعته ،وسره الكبير المخبوء ،وسط رسالة غامضة مشفرة في لوحة ( رعاة أركاديا ) !

 

رعاة أركاديا : وفي أركاديا أيضا كان جيوفاني باربيري !

رعاة أركاديا نسخة غويرتشينو

قبل أن يخلق “بوسان” جنته الأركادية ، التي يلتف فيها الرعاة حول قبر غامض بستة عشر عاما (1622م)، قدم فنان إيطالي يدعي “جيوفاني فرانشيسكو باربيري” ، ويشتهر باسم “غويرتشينو” Guercino عملا بنفس الاسم مستخدما ذات الثيمات تقريبا ، الرعاة والقبر والعبارة الشهيرة ( وفي أركاديا أيضا ) ، لكن مع اختلافات تتضح للعيان من النظرة الأولي ، حيث حوي المنظر المجسد بريشة “باربيري ” تفاصيلا أقل من تلك التي قدمها ” بوسان ” في نسخته من الرعاة ، الشيء المميز في النسخة الأولي من رعاة أركاديا هو الجمجمة التي تعلو قمة القبر الذي يلتف حوله راعيين ،أما عبارة (وفي أركاديا أيضا ) فقد أشار ” إلياس ريفرز ” إلي احتمال وجيه ، وهو أن تكون تلك الجملة مشتقة من أحد أبيات ” فيرجيل ” الرعوية التي تصف جنازة ” دافنيز ” ،ودفنه في قبر وسط الغابة ، وربما كانت العبارة الشهيرة تشير إلي الراعي الميت ،بدلا من القبر نفسه .

 

والآن ما الذي يدفع فنانا خصب المخيلة مثل ” بوسان ” لاستعارة فكرة سبق لغيره العمل عليها ،وما أهمية القبر الذي يلتف حوله الرعاة ، وما هو فحوي عبارة Et in Arcadia Ego الغامضة ، والأهم ما هي الرسالة الملغزة التي أراد “بوسان” أن يتركها في نسختين مختلفتين من ( رعاة أركاديا ) ،وما سر التباين والاختلاف بين رعاة أركاديا الأولي ،والثانية لنفس الشخص ؟!

 

رعاة أركاديا مرتين : ما سر العمل المزدوج ؟!

 

من الجلي أن قصة ( رعاة أركاديا ) وقبرهم الغامض كانت تشغل بال الفنان الفرنسي الشهير ، لأنه رواها ، بريشته ، مرتين ، الأولي في عام 1627م ،والتي تمتلك منظرا مغايرا بشكل واضح عن الشكل النهائي للنسخة الأحدث والأخيرة ، وهي النسخة الأشهر والأكثر رواجا للوحة

 

رعاة أركاديا نسخة 1627محفوظة بمجلس أمناء دوق ديفونشاير وتشاتسوورث

والرعاة مرة أخري بعد أحد عشر عاما

ورغم التشابه الذي يبدو من الوهلة الأولي ،لكن ثمة فروق ظاهرية كبيرة بين النسختين نوجزها فيما يلي :

 

أولا :وضعية الرعاة حول القبر مختلفة ،وتعطيه مركزية في الصورة الثانية ، وتغير واضح في شكل القبر نفسه .

 

ثانيا :المقبرة في النسخة الثانية تبدو أكثر عزلة وتنائيا

 

ثالثا :ظهور جبال وعرة لم تكن موجودة في النسخة الأولي من اللوحة

 

رابعا: وضعية الراعية ، والمرأة الوحيدة في اللوحة ، اتخذت بعدا أكثر مركزية ،وأهمية في النسخة الثانية من العمل

 

خامسا : انجراف وتغير شكل القبر الملحوظ في النسخة الأحدث ،لكي يشبه تماما قبرا حقيقيا موجودا ، لا في أركاديا القديمة ، بل في مقاطعة رين لو شاتو Rennes-le-Château الفرنسية ،أي في نفس البلاد التي ولد ونشأ فيها “نيكولا بوسان” نفسه !

 

كيف بدأ اللغز : ليلة أن هرب الكاملين ومعهم الأسرار العظمي !

ذكري نهاية طائفة الكاثار cathars لا تزال تؤرق العالم ،وتجلله بهالة من الأساطير والخرافات والسحر والغموض ،فمن هنا بدأت أساطير الكأس المقدسة وقبر أركاديا الغامض !

ولكن لنروي القصة من بدايتها ،والبداية الحقيقية تكون من ليلة الأول من أذار من عام 1244م حيث تم اقتحام قلعة مونسيجور Château de Montségur ،حصن الكاثار الأكبر وعاصمتهم في أوسيتاني Occitanie جنوبي فرنسا ،من قبل قوات يقودها مندوبي البابا ونبلاء فرنسا ، المتعصبين للكاثوليكية ، مدججين بالأسلحة والكراهية المقدسة نحو ( الهراطقة ) ، وبعد سقوط المدينة أوقع بها المنتصرون مذبحة تقشعر لها الأبدان ، غير مهتمين بما إذا كان ضحاياهم من الرجال المحاربين ،أم من النساء والأطفال والشيوخ الضعفاء العُزل ، محاولين جهد طاقتهم محو تلك الطائفة المسماة بالكاثار Cathars ،والتي أدانتها الكنيسة الكاثوليكية بتهمة الهرطقة ، واعتبرت جميع المنتمين إليها ، أو حتى المتعاطفين معها ،خطاة آثمين ،يستحقون القتل واللعنة الأبدية ، بيد أنه في الليلة السابقة حدث شيء صغير ، فقد تسلل من القلعة المُحاصرة بضعة رجال قليلي العدد ، أربعة على أصح تقدير ، هربوا بواسطة حبال مدلاة من فوق الجدران ،وهم يحملون في جعبتهم أوراقا ورقوقا ووثائق هامة ، وثائق خطرة وبالغة السرية ، تتضمن سر الطائفة الأكبر ومدار إيمانها ،الذي يساوي عند أفرادها ما هو أغلي وأعز عليهم بكثير من أرواحهم ،وممتلكاتهم وأسرهم وأطفالهم .

 

والكاثارية Catharism باختصار هي حركة مسيحية منشقة ، تبنت لها وجهة نظر خاصة حول شخصية “يسوع المسيح” والإيمان المسيحي ، واختلطت فيها العناصر المسيحية الخالصة بالأفكار المأخوذة من المذاهب الغنوصية القديمة ،ومتأثرة بالعرفانية والتفسيرات الباطنية للنصوص المقدسة ، ظهرت الحركة في القرن الحادي عشر في إقليم لانجدوك Languedoc جنوب فرنسا، وقد تأثرت بالمذاهب الدينية الكبرى ،التي انتشرت في بلاد فارس والإمبراطورية البيزنطية ، وتبنت عقائد تقوم على الإيمان بالثنوية Dualism ، وهو مذهب يعظم من شأن الشيطان حتى ليجعله مناظرا ، أو قريبا ، للإله في قوته ، بل يصل الأمر أحيانا إلي اعتبار الشيطان هو صانع العالم المادي ، بما يحتويه من عذابات وشر وموت وآلام ، وأن ثمة انفصال بين العالم الروحي الذي يحكمه الإله الحكيم العادل ، وبين العالم المادي البشع بكل نواقصه وعيوبه ، كانت الكاثارية ، قبل ظهور حركة مارتن لوثر الإصلاحية ، أكبر تحدي قابل العالم الكاثوليكي ، حتى لقبت الكنيسة الكاثوليكية الكاثارية ب( البدعة الكبرى) ، ونقلا عن موقع رسمي يمثل الطائفة الكاثارية فإن العقيدة ، التي سارت طائفتهم على نهجها ، دفعت الكاثوليك ليس فقط لنعتهم بالهراطقة ، بل للتساؤل حول ما إذا كانت الكاثارية فرع من المسيحية أصلا !

أوقع بها المنتصرون مذبحة تقشعر لها الأبدان

ومعني ذلك أن الكاثارية غدت ،في نظر مناوئيهم ، دين مستقل له قواعده وطقوسه الخاصة ، وخلافا للمسيحية الرسمية فإن طقس التعميد ، أو الدخول إلي المذهب (التنصير) ، المسمى Consolamentum ، لم يكن يتم للمريد قبل بلوغه سنا معينة ، الأربعين غالبا ، وتلقيه تعليما يسمح له بالوصول إلي درجة من فهم العقائد والإيمان بها ،ومراعاتها عن قناعة تامة ، وكان للكاثار جماعة مختارة من الرجال والنساء يسمون الكاملين أو المثاليين Parfaits ، وهم هؤلاء الذين كانت بيدهم مفاتيح أسرار الطائفة ،ويسيطرون على منابع الفكر ، وقد كانوا يعيشون في زهد تام ويراعون حزمة معينة من قواعد وأسس السلوك اللائق ، وأيضا بعكس الكاثوليكية كان ” يسوع المسيح ” شخصية ملتبسة في عقيدة الكاثار ، لم يقبل الكاثار العقيدة التقليدية عن ابن الله المولود من امرأة والذي جاء ، كاملا في اللاهوت وكاملا في الناسوت ، ليحرر الناس من الخطيئة ويدفع دماءه ثمنا للفداء والخلاص ، بل كان في نظرهم وسيطا بين الله والناس ، بعضهم كان يراه في رتبة ملائكية ، وبعضهم تمادي إلي حد الاقتناع بأن صلب المسيح كان بشكله الجسدي فقط ، وأنه لم يشعر حقيقة بآلام الصلب والتعذيب ودق المسامير ، وبالإضافة إلي ذلك كانت بذور أساطير الكأس المقدس آتية من تربة بلاد الكاثار ، كذلك كان لنظامهم الاقتصادي المتحرر من قواعد الإقطاع دور كبيرا في تأليب النبلاء وإقطاعي أوربا وملاكها الكبار ضد هذه الطائفة ، التي تهدد بمبادئها ونظمها الغريبة النظام التقليدي ،القائم على الإقطاعات الواسعة والسلطة المطلقة للنبلاء واستخدام أقنان الأرض ، وهو النظام المنتشر في أوربا حينذاك ،كل هذا جعل الكنيسة والنبلاء كليهما يتحالفان ضد الألبيجنسيين في جنوب فرنسا ، أو الكاثار ، وأعلنت كنيسة روما عن نيتها للقضاء على الهرطقة الكاثارية ، داعية النبلاء والتقاة والمخلصين إلي البدء في تدشين حملة صليبية للقضاء على تلك الطائفة المنشقة المهرطقة ، الجدير بالذكر أن دوافع النبلاء الاقتصادية كانت مفضوحة لسكان لانجدوك كلهم ، مما حدا حتى بالكاثوليك من سكان الإقليم إلي التعاون مع الكاثار في مقاومة الحملة الكنسية ، التي تولي قيادتها “أرنو أموري” Arnaud-Amaury أو “أرنو أمالريك “،رئيس الرهبان السيستريين ،ومندوب البابا “إنوسنت الثالث” ،كانت هذه المذبحة والليلة الدامية تتويجا لحرب شرسة ضد طائفة (الكاثار )استمرت لحوالي خمسة وثلاثين عاما (من 1209 وحتى 1244م ) ،وانتهت بالقضاء المبرم على وجود الطائفة المنشقة ،كحكام وأغلبية سكانية في لانجدوك ،لكنها لم تُنهي وجودهم الفكري ،أو توجهاتهم الدينية الفريدة !

 

هروب (الكاملين )،الذين تم اختيارهم ليمرروا وثائق ومقتنيات ،قيل أنها ثمينة وخطيرة في نفس الوقت ،كان إرهاصا ببدء سلسلة من الأساطير والخرافات والشائعات ،التي تمحورت كلها حول ذلك السؤال المنطقي :ما الذي كان أكثر أهمية من حياة الشعب الكاثاري ،ووجوده نفسه ،ليغامروا بإخراجه بشكل سري برفقة هؤلاء المختارين ،قبل أن يتقبلوا الموت ذبحا وحرقا ،على أيدي القوات المحِاصرة ،وبنفس راضية ؟!

 

القصة تبدأ من نهايتها :فرسان الهيكل محاربي الكنيسة الشجعان يتحفظون على سر الهراطقة !

 

 

تأسست جماعة فرسان الهيكل Knights Templar عام1199م ،كجماعة كاثوليكية مخلصة ومتعصبة للكنيسة ،وللبابا ولسلطاته التي لا حد لها ،بدأ الفرسان بعدد محدود ،وحددوا خطة عمل تتلخص في وضع أنفسهم في خدمة الكاثوليكية ،والبابوية ،وتكريس تجمعهم لخدمة المسيحية عبر قتالهم ضد المسلمين في الأرض المقدسة (فلسطين) ،وتأمين طرق الحج ،لكنهم ،وخلال عقود قليلة ،تحولوا إلي منظمة سياسية ومالية بالغة القوة ،وأنشأوا بذور النظام المصرفي الحديث ،كانوا أول من أستن فكرة البنوك والسندات المالية والشيكات بشكلها البدائي ،حتى أن قوتهم أزعجت بعض الملوك الأوربيين أنفسهم ،نهاية فرسان الرب المخلصين هؤلاء كانت غريبة ومثيرة للريبة ،إذ حاصرتهم تهم التجديف والهرطقة وعبادة الأوثان والشيطان ،وقيل أنه وجدت في معاقلهم وقلاعهم أدلة على انغماسهم في عبادات غريبة ،ثنوية وشيطانية ووثنية ،وانتهت أسطورتهم بحرق أستاذهم الأعظم “جاك دي مولاي” في مارس عام 1314م في باريس ،بعد مطاردة واسعة للفرسان ،وتنكيل شامل بهم ،ظاهريا يبدو أنه لا علاقة مطلقا تربط فرسان الهيكل بأسرار الكاثار ،ولغز لوحة “رعاة أركاديا” ،لكن عند الدراسة الدقيقة يتبين أن عقائد الكاثار تتشابه بشكل ملحوظ مع المعتقدات ،التي اُتهم فرسان الهيكل في مرحلتهم الأخيرة ،بتبنيها وأودت بهم إلي التشريد والتنكيل والحرق الجماعي ،ثانيا فنهاية فرسان الهيكل تضمنت لغزا كبيرا ،هو الثراء المفاجئ الذي حل على جماعة الفرسان الزاهدين هؤلاء ،القصة أصلا ارتبطت باستيلاء الصليبين على القدس العربية 1099م ،بعد مذبحة مرعبة وشاملة ،وبعيد وقوع المدينة المقدسة في أيديهم نُسب إلي الصليبين ،الذين اختاروا “جودفري دي بويون “Godfrey de Bouillon ملكا عليهم ،القيام بحفريات حول الحرم المقدس ،قيل أنهم كانوا يبحثون عن بقايا هيكل “سليمان” ،المذكور في العهد القديم من الكتاب المقدس ،غير أنهم وجدوا ما هو أهم وأخطر من ركام الهيكل ،تابوت العهد الذي يضم ،كما يقال ،ألواح الشريعة ،وجرة فخارية بها بقايا المن السماوي ،الذي أنزله الرب طعاما لبني إسرائيل التائهين في البرية ،وفوق هذا وذاك ،وجدوا الكأس المقدسة ،التي استعملها “يسوع المسيح” في الشرب ليلة العشاء الأخير ،وأيضا وثائق خطيرة ،أسرار مخيفة ،قد تزعزع بنيان الإيمان المسيحي من أساسه ،ووفقا لهذه القصص المتداخلة فإن الفرسان ،الذين امتنعوا عن التدخل أثناء حصار الحملة البابوية للكاثار ومعاقلهم في لانجدوك ،كانوا قد عهدوا بتلك المقتنيات الثمينة ،الكأس والمخطوطات ،إلي الكاثار أنفسهم .. لكن لماذا هم تحديدا ؟!

 

إن الأمر يسهل شرحه فعقيدة “الكاثار” ،المخالفة من عدة وجوه لعقيدة الكنيسة الكاثوليكية الرسولية ،تضمن للفرسان ألا يسلم الكاثار تلك الكنوز إلي البابوية ،أو يعمدوا ،بصفتهم مسيحين مخلصين ،إلي إذاعة الأسرار المروعة التي تتضمنها ،هذه فائدة مزدوجة ،لكن على فرض أن تلك الكشوف كانت حقيقية ،فلما لم يحتفظ الفرسان بهذه الكنوز ويتولوا حراستها وتأمينها بأنفسهم ،أو يحاولوا مناصرة الكاثار ،حماة كنوزهم المقدسة ،أثناء العقود الطويلة التي حاصرتهم فيها أفواج مقاتلي البابا ،وشردتهم ،وأمعنت القتل والتعذيب والتخريب في شعبهم وممتلكاتهم وحصونهم ؟!

 

ربما كان لدقة وضع (فرسان الهيكل ) يد في امتناعهم عن تقديم العون المباشر الصريح للكاثار إبان محنتهم ،لكن يبقي مع ذلك طريق يمكنهم معاونتهم به ،دون أن يُعرضوا أنفسهم لغضب البابا الصريح ،وهو حماية الكاملين الفارين من مونسيجور ليلة سقوطها ،وتخبئة الكنوز أو المخطوطات التي هربوا بها ،ومساعدة بقايا الكاثار ،الناجين من مذبحة لانجدوك ،على الاختفاء عن أعين الكاثوليك المتعصبين ،وهو ما حصل بالفعل !

 

إذن ففرسان الهيكل لهم نصيب مهم من لغز لانجدوك والكاثار ورعاة أركاديا ،لكن القصة لا تزال مستمرة ،والمزيد من الألغاز والغوامض ستظهر تباعا !

 

نصف اللغز الآخر :لعنة ميداس المحببة وكل شيء يصبح ذهبا !

 

إن تكليف “كاميلو ماسيمو ” الأكبر ل”بوسان” لم يكن بصدد لوحة “رعاة أركاديا “فقط ،بل شمل الاتفاق رسم لوحة أخري ،توأم غير متطابق للرعاة ،وهي اللوحة المعروفة ب”ميداس يغتسل في نهر باكتولوس ” Midas Washing his Face in the River Pactolus ،واللوحة الثانية هذه تروي قصة ملك أسطوري مشهور في الميثولوجيا الإغريقية “ميداس” ،وهو شخصية عجيبة منحه أحد الأرباب قدرة استثنائية ،بناء على طلبه مكافأة له على معروف ما ،وهي قدرته على تحويل أي شيء إلي ذهب ،فرح الملك بتلك المقدرة الفريدة في البداية ،ثم ما لبث أكتشف أنها وبال عليه ،إذ تحول طعامه وشرابه وقصره وخدمه ،وحتى ابنته العزيزة ،إلي تماثيل ذهبية ،ما أن يمس أي منها بيده ،ولتخليصه من اللعنة ينصحه الإله ديونيسوس بأن يغتسل في نهر يسمي باكتولوس ،ففعل “ميداس” وزالت لعنته ،بينما صار النهر عامرا بحبيبات الذهب من حينها ،هذه الأسطورة كانت سببا في ظهور ما يسمي “لمسة ميداس “” midas touch ،والتي تشير إلي لمسة سحرية قادرة على تحويل أي شيء إلي ذهب ،والآن ما الصلة بين “ميداس” ومقدرته الفريدة ،وبين الرعاة في أركاديا ،وهل يمكن أن يكون في لوحة “ميداس” سر أو شفرة ستكشف عنها ،بشكل ما ،خادمة بيت عجوز ،وهي تحتضر على فراش موتها ،بعد أكثر من قرنين من الزمان ؟!

 

الرابط الخفي :راعي أركاديا الحقيقي الذي مات من التعذيب !

لوحة تسجل قصة الراعي البائس “إجناس باريس “

 

لكن قبل أن تظهر أهمية عمل “بوسان” الذائع الصيت ،وقبل بزوغ الكاهن “سونيير” ،ولغز ثرائه الطارئ المفاجئ ،في أفق بلدة “رين لو شاتو” الهادئ بأكثر من مائتي عام ،حدث أن ذهب راعي فقير ، يدعي ” إيجناس باريس ” Ignace Paris ، في ربيع عام 1645م ،خلف شاة له ضلت طريقها ، وتتبعها نزولا إلي تجويف صخري ، وهناك عثر على غنمته الضالة ، وأيضا كنز كبير من العملات الذهبية القديمة !

 

وتمضي القصة القديمة فتصف كيف أن مالك الأرض ،التي وجدت في رحابها هذه الكنوز المطمورة ، أراد استيضاح مكان العثور عليها بالضبط ، ويبدو أن الراعي ماطل في الكشف بدقة عن مكان التجويف الصخري المقصود ، مما دفع سيد الأرض ،وكان يدعي بلايز هاوتبول Blaise de Hautpoulإلي تعريض الراعي لتعذيب شديد ، يبدو أن الأخير لم يكن مهيئا لتحمله، ففقد الراعي تعيس الحظ حياته تحت أيدي الجلادين !

 

الذي يسترعي النظر حقا هو تواتر عدة نسخ من القصة ،وانتشارها شفهيا بين سكان إقليم ( لانجدوك) ، ومنها نسخة تصف رؤى شيطانية خارقة دفعت الراعي إلي الفرار ،فور جمعه لبعض العملات والقطع الذهبية ،ليهرب من الشيطان الذي ظهر له محاولا القفز على ظهره، النقطة المهمة الأولي في تلك القصة أنها وقعت ، بحسب رواتها ، في إقليم ( لانجدوك ) الذي تقع فيه بلدة (رين لو شاتو) ، وأيضا هو نفسه المعقل القديم لطائفة الكاثار الهرطوقية وأسرارها الغامضة حول الكأس المقدسة ،وكنوز فرسان الهيكل المخفية بعناية ،لكن ما علاقة هذه الراعي وقصته المأساوية ب”بوسان” ولوحته المثيرة للأقاويل والجدل ؟!

 

الحقيقة أن حادثة الكنز الذهبي لم تمر بسلام ، فقد احتدم ، فور مصرع الراعي ،دون أن يقدم معلومات شافية ، صراع ملتهب للعثور على بقية الكنز ، أو على أصله ، أطرافه هم ” نيكولا بافيبو ” ، أحد قساوسة مذهب الجانسينية ،الموصوم بالهرطقة من قبل الكنيسة الكاثوليكية ، والسيد ” هاوتبول ” مالك الأرض التي عُثر على الكنز فيها، والأخوين ” نيكولا وفرانسوا فوكو “، قس بارز ،وثري صاحب أملاك وضياع ،وأخوين أحدهما هو أسقف ناربون ،والأخر ليس إلا وزير مالية الملك لويس الرابع عشر !

 

تري هل كانت قيمة الكنز المادية ، مهما بولغ في تقديرها ، كافية لدفع هؤلاء السادة العظماء للدخول في صراع حامي الوطيس ،من أجل أسبقية الوصول إليه ،والسيطرة على مصدره ؟!

 

الأمر الأكثر إثارة هو إقدام الأخ ” فرانسوا ” ،شقيق حضرة وزير المالية ،على القيام بزيارة إلي مدينة روما ، للالتقاء ب” بوسان ” صاحب اللوحة الشهيرة ،والاجتماع معه بشكل سري ، ثم إرساله رسالة إلي شقيقه يصف فيها نتائج لقائه بالفنان الشهير ،قائلا بلهجة تشي بأن في الأمر لغزا ،وكنزا أكبر من مجرد بضع صناديق مملوءة بالذهب ،أو بقطع من كنوز فرسان الهيكل ،أو فدية الملك القديس الأسير لدي المسلمين ، قال الأخ في الخطاب المثير للتأمل (… أمور من شأنها أن تمنحك ، من خلال السيد بوسان ، امتيازات سيتعين حتى على الملوك أن يجتازوا آلاما عظيمة كي يستخلصوها منه )

 

ويمضي الأسقف المبجل ،واصفا الأمور المتعلقة بكل تلك القصة الغامضة ،بأن خلفها أمورا ( .. شديدة التعقيد ، إلي حد نكتشف معه أنه لا شيء على هذه الأرض ، قد يمثل ثروة أكبر منها أو حتى يساويها في القيمة )*

 

فما الذي يمكن أن تكونه هذه الثروة ،التي حتى الملوك سيتحملون آلاما عظيمة لكي يستخلصوها منه ،ومن هو المشار إليه بالضمير ( منه ) ،هل هو “بوسان” نفسه ؟!

 

وقبل كل شيء ما سبب تعلق السر ب”بوسان” تحديدا ، ولماذا اطلق عليه لقب ( حارس الأسرار ) .. وأية أسرار هي بالضبط ؟!

 

وفي النهاية دارت الدائرة لتنتهي بحصول الملك لويس الرابع عشر على (لوحة رعاة أركاديا ) ، بعد محاولات عديدة ، وعزلها في قاعة خاصة في اللوفر ، كان وقتها قصرا ملكيا ، ومنع أي أحد من الاطلاع عليها إلا بإذن شخصي منه !

 

أي سر يمكن أن يكمن في لوحة بسيطة ،تعبر عن مجموعة رعاة يحملقون في قبر منعزل غامض ،بلا شاهد أو علامات مميزة ، ما عدا تلك الجملة الغامضة .. وفي أركاديا أيضا أنا موجود !

 

 

مات “نيكولا بوسان” في عام 1665 ،تاركا وراءه إرثا فنيا عريضا وجديرا با

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى