اكرم الكراني يكتب :شقة بولاق الدكرور

بقلم أكرم الكراني.
في أحد شوارع بولاق الدكرور الضيقة، حيث تختلط أصوات الباعة الجائلين بزحام الميكروباصات، كانت هناك شقة صغيرة في الطابق الاول من عمارة قديمة. شقة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، لكنها كانت تحمل بين جدرانها حكايات أكثر من مدينة كاملة.
كل غرفة فيها كانت شاهدة على قصة؛ ضحكات أطفال، وأحلام شباب، ودموع أم سهرت الليالي من أجل أولادها. كانت الشقة بالنسبة لأصحابها وطنًا مصغرًا، رغم ضيق المساحة وقسوة الظروف.
كل تفاصيل الظروف كوبري يسمي (كوبري الخشب)..
او (كوبري النمل) وشارع طويل اسمه (ناهيا) لكنه ضيق وعلي جانبيه المتلاصقين عدة محلات
كان اهم مشوار ليهم هو (عم مبروك ) اللي بيبيع سبرتو..
عشان اعرف اعمل شاي ونسكافيه علي (السبرتاية،)..
التي اهدتني لها جدتي نورا …
وعلب الكوفي ميكس واعمدة الطعام التي كانت تجهزها لي امي ويحضرها لي ابي من السويس كل يوم خميس وخصوصا في الايام الرمصانية التي كنت لا استطيع فيها زيارتهم في مدينتي لانشغالي بالمذاكرة والامتحانات..
بولاق الدكرور، ذلك الحي الشعبي الكبير بمحافظة الجيزة، ظل عبر سنوات طويلة نموذجًا للحياة المصرية البسيطة والكفاح اليومي، ويُعد من أكثر أحياء القاهرة الكبرى كثافة سكانية.
رحلة يومية مترجلا علي قدمي من كوبري مصر والسودان حتي اصل الي مقر عملي بمجلة كاريكاتير التي كانت في ميدان ابو الكرامات متفرع من شارع جامعة الدول العربية..
ذكريات عشاء او افطار بمطعم ومبي المهندسين لا تزال تطوف بالذاكرة….رغم مرور ثلاثين عاما عليها…
من نافذة تلك الشقة كنت ارى تفاصيل الحياة كما هي؛ لا أقنعة ولا زيف. عامل يعود منهكًا بعد يوم طويل، وطالب يذاكر تحت ضوء خافت، وجارة تدعو للجميع بالستر والصحة.
قد يراها البعض مجرد شقة متواضعة في حي شعبي، لكن الحقيقة أنها كانت قصرًا من الذكريات. فالأماكن لا تُقاس بمساحتها، بل بما تحتضنه من بشر وحكايات.
وفي النهاية، تبقى شقة بولاق الدكرور شاهدًا على أن أجمل القصص لا تُكتب في القصور الفاخرة، بل تولد أحيانًا بين جدران بسيطة صنعتها الأيام وحفظتها الذاكرة.


