“ألغاز تاريخية”لوسيتيانا ضحية الحرب الجميلة

كتبت سوزان مرمر
هل تعلم ما أكثر مخاوفي شخصياً ؟ البحر ، نعم حرفياً أخشاه أكثر مما أخشى قسم الأشباح في الموقع ، النوع الآخر من الفوبيا ؟ الأماكن المرتفعة و المغلقة و تحديداً ( المصاعد ) ، أخشاه أكثر من أن يرفض مقالي في الموقع ، فإذا كنتم مثلي ، فهذه قصة بسيطة سأجمع بها كل مخاوفي و مخاوفكم في سطور متتالية ..
هل أنتم جاهزون ؟ لنطفئ الأضواء ، نحضر الماء من المطبخ و لنقرأ معاً قصة : سفينة لوسيتيانا .
قيل أن التيتانيك لا تغرق ، و أنها الأسرع و الأقوى و الأجمل بين جميع السفن ، حتى جاءت لوسيتيانا ، اكتسحت بالمواصفات سرعة و قوة التيتانيك و جمالها ، لكن بصراحة ، التيتانيك تفوقت بأمر واحد فقط ، التيتانيك غرقت في ساعتين و نصف ، لوسيتيانا لم تتجاوز الدقائق القليلة حتى اختفت في عمق البحار بمن فيها ، و بل أدخلت دولاً في الحرب العالمية و أشعلت غضب تشرشل شخصياً ذاك الرجل الهادئ عادةً كما يقال عنه .
أشرب الماء بعمق و تعال يدك بيدي إلى العام ١٩١٥ ، نحن الآن أمام واحدة من أجمل السفن في العالم ، لمعانها تحت أشعة الشمس المشرقة ، أصوات المسافرين ، أنك الآن أمام لوسيتيانا العظيمة بكل رونقها ، ها هو مضيفك يرحب بك عند مدخل السفينة ، القبطان يتفقد نخبة المسافرين و السفينة ، رحلة عادية بالنسبة له ، و لكن .. إنها الحرب ، فتذكر ذلك قبل أن تصعد و تتركني على المرفئ ، فأنا أعلم الأحداث القادمة و سأكتب عنها و عنك ، لربما كنتَ شبحاً تريد القراءة عن نفسك .
في السابع من مايو من العام ١٩١٥ ، انطلقت السفينة بكامل سرعتها في البحر ، موعد الطعام في القاعات المُذهبة ، أنت الان بالقرب من سواحل إيرلندا و الساعة بيدك حوالي ٢:١٠ ظهرا ، و فجأة صوت المراقب تيزلي يصدح في أذنك : طوربيد قادم من الجهة اليمين .. و انقطع الصوت و رحل تيزلي و بقيت أنت لتصارع من أجل حياتك لمدة ثمانية عشر دقيقة كاملة ، لكن سفينة مدنية ، تسافر دائما ، لماذا وُجه إليها طوربيد من غواصة ألمانية ؟ هل هي الحرب ؟ أم حظك العاثر ؟
التحذير :
قبل رحتلها الأخيرة ، نشرت السفارة الألمانية في الولايات المتحدة تحذيراً واضحاً في الصحف ، أي سفينة ترفع العلم البريطاني أو علم حليفاً لها و تدخل منطقة حرب ، سيتم استهدافها .
طبعا التحذير لم يلق آذاناً صاغية ، فـ لوسيتيانا تُعرف بأنها من أسرع السفن ، و علميا هي أسرع من الغواصة كما قيل ، لذلك كانت اللامبالاة هي تذكرة الذهاب بلا عودة هذه المرة ، فالغواصة الألمانية ( U-20 ) كانت أمهر و أسرع ، و أطلقت الطوربيد المدمر الذي أنهى الرحلة قبل الوصول لميناء ليفربول ، و هنا تبدأ القصص المأساوية للركاب.
الانفجار الثاني :
لحظة اصطدام الطوربيد الألماني بالسفينة و انفجاره ، صدر صوت انفجار آخر من داخل السفينة ، أكبر و أكثر تأثيراً من الطوربيد ، مما جعل السفينة تميل بشكل حاد ( ١٥ درجة ) في غضون دقائق ، مما جعل إنزال قوارب النجاة أمر شبه مستحيل ، لكن ما سبب الانفجار الثاني المجهول ؟ و ماذا حدث مع الركاب ؟
قصص من قلب الجحيم :
( ثيو نايد ) ، أب لستة أطفال ، أيقن منذ اللحظات الأولى أن الوصول لقوارب النجاة مستحيل ، و بينما كانت السفينة تتهشم و تغرق ، قرر نايد ضم أطفاله بسكون الموت ، و غناء ترنيمة دينية حتى أبتلعهم المحيط كجسد واحد .
( ألفريد فاندربيلت ) ، المليارير الشهم الذي كان يعد من أغنى أغنياء العالم حينها ، و بدل استغلال نفوذه للهرب و النجاة ، منح سترة السباحة لمرأة و طفلها و قرر تدخين السيجار الأخير على سطح السفينة بكل شموخ ، مضحياً بنفسه لأجل غيره ، ألفريد لم يكن يتقن السباحة ، فأختار أن يكون جزء من رواية لوسيتيانا الحزينة .
فقط للتنويه يا عزيزي ألفريد ، إن تحولت لشبح و كنت تقرأ هذه المقال مع أحد القراء ، أرجو منك إخباره أن يترجم المقال جيدا ، لتعلم أنني تكلمت عنك كالفرسان ، و عزيزي القارئ لا تخف ، فألفريد شبح من الطبقة الراقية لن يزعجك ، فقط هو جالس بجانبك يدخن السجائر بكل هدوء .
قوارب الموت :
بسبب ميلان السفينة الشديد ، كانت القوارب تتأرجح بمن فيها و تعود لتتحطم ببدن السفينة ، صيحات الركاب كانت عالية ، يائسة ، حتى أسكتها البحر للأبد .
blank
سمفونية الموت :
بعد الضرر الكبير الذي أصاب السفينة ، إنقطعت الكهرباء عن مصاعد السفينة بمن فيها من ركاب ، مكان مغلق ، عتمة سوداء ، صوت المياه تقترب ، و الغرق ضمن صندوق مغلق ، على الأقل سيتم العثور على بعض الجثث التي كانت في المصعد .
دوامات لوسيتيانا:
بسبب نزول مقدمة السفينة نحو الأمام ، تحولت مداخن السفينة العملاقة إلى مدافع بشرية مرعبة ، صنعت دوامات كبيرة سحبت الركاب الى داخلها بسبب الضغط و الهواء ، ثم قذفتهم الى الخارج مجدداً مغطين بالرماد .. ربما بعضهم يقرأ معك المقال ، يمكنك أن تسألهم عزيزي القارئ عن شعورهم حينها .
نهاية المشهد ، مقبرة النورس :
عند وصول سفن الأنقاذ المتأخرة صباحا كانت المشهد لا يحتمل ، الجثث تبدو و كأنها طيور نورس ميتة ، مئات سترات النجاة البيضاء تطوف فوق المياه ، سكون حزين ، أمهات تجمدت حتى الموت و هي تضم أطفالها ، بعض الحالات أُجبر المسعفون على كسر أصابع الجثث لفصلها عن بعضها .
و الآن بعد أن ذكرنا بعض القصص المؤلمة للركاب ، ما هو سبب الانفجار الثاني المجهول ؟
دارت الكثير من الشكوك حول دور الحكومة البريطانية حينها و خصوصا حول رئيس البحرية آنذاك ( وينسون تشرشل ) ، فكيف لسفينة تحمل أثرياء العالم و نخبتهم ، أن تسحب منها المدمرات البحرية المخصصة لحمايتها فجأة ؟ أمر نظر إليه أنه متعمد ، و خصوصاً أن المدمرات البحرية انسحبت قبل دخول السفينة ( منطقة الحرب ) بقليل .
تخفيض السرعة :
تلقى القبطان ( تيرنر ) أوامر غريبة بتخفيض السرعة عند دخول السفينة منطقة الخطر رغم علمه بوجود غواصات و جعل السفينة هدفاً ثابتاً ، الأمر الذي عرض تيرنر لعدة تهم تم تبرئته منها فيما بعد لسبب غريب ، طبعا في البداية حاولت الحكومة البريطانية تحويل ( تيرنر ) لكبش فداء ، ثم أعلنت برائته أيضا فجأة.
البعثة الاستكشافية :
قام المستكشف الشهير ( روبرت بالارد ) الذي قام باكتشاف حطام التيتانيك ، بعملية اكتشاف لبدن السفينة ، و هنا كانت الصدمة بعد عقود من الحادثة ، تم العثور على المكان الذي أصابه الطوربيد و المفاجأة ، أن الطوربيد كان سيؤثر على السفينة نوعا ما ، و لكنه لم يكن ليغرقها بهذا الشكل المؤلم ، حتى الانفجار لم ليكن بهذا القوة أساساً ، لكن ملامسة الطوربيد لسفينة تحمل صناديق ذخيرة مكونة من ٤ ملايين طلقة من نوع ( Remington ) ، و صناديق أخرى مكتوب عليها ( ألبان و أجبان ) كانت تحمل شحنات كبيرة و متفجرة من الألمنيوم و البارود ، مما جعل السفينة قنبلة موقوتة ، و المسافرين كبش فداء و تمويه لا ذنب لهم به .
و خلال فترة الحرب الباردة ، قامت البحرية البريطانية ( بشكل سري ) بإلقاء ألغام بحرية و قنابل فوق حطام لوسيتيانا لإخفاء الأدلة و الحفاظ على الموقف الأخلاقي للحكومة البريطانية أثناء الحرب .
لوسيتيانا الآن :
خلافاً لتايتانيك التي تقبع في مياه عميقة جداً وباردة حافظت عليها، فإن لوسيتانيا في حالة انهيار كارثي .
التحلل السريع: الحطام ينهار على نفسه بسبب التيارات القوية والانفجارات التي تعرض لها لاحقاً.
شباك الصيد القاتلة: الحطام مغطى بالكامل بشباك صيد قديمة عالقة، مما يجعله فخاً مميتاً لأي غواص يحاول الاقتراب. يُقال إن المكان يسوده هدوء مرعب، مع وجود بقايا أحذية و أمتعة الركاب نصف المدفونة في الرمال.
الحقيقة المرة :
في النهاية ، كشفت الأبحاث الحديثة أن “لوسيتانيا” لم تكن مجرد ضحية لغواصة ألمانية غادرة، بل كانت ضحية للسياسة ، تم استخدام الركاب المدنيين كـدروع بشرية لنقل الأسلحة ، وعندما غرقت ، استُخدمت دماء الضحايا كوقود دعائي لجر أمريكا إلى الحرب ، و فعلا دخلت أميركا الحرب فيما بعد بالعام ١٩١٧ .



