ألغاز تاريخية .. القبائل العشرة المفقودة

لغز الأسباط في الميديا الحديثة
نسمع الآن في الميديا العربية أخباراً عن شعبٍ من الهند تنوي إسرائيل توطينه في الأراضي المحتلة، تحت زعم أنه من بقايا الأسباط العشرة المفقودة. فما قصة هذه الأسباط؟ ومتى بدأت الادعاءات بوجود يهود ضائعين في آخر العالم؟.
جذور الحكاية: المملكة الموحدة والانقسام الكبير
يحكي “التناخ” (أو العهد القديم كما يُسمى في المسيحية) الكثير من القصص عن تاريخ الشعب اليهودي أو بني إسرائيل. ومن هذه القصص، قصة المملكة الموحدة التي ظهرت في القرن الحادي عشر قبل الميلاد على يد “شاول” (أو طالوت كما يُسمى في القرآن)، وأن ملكاً عظيماً حكم هذه المملكة بعده هو داود، وخلف داود ابنه سليمان الذي أوتي الكثير من المعجزات، ووصلت المملكة في عهده إلى ذروة مجدها بحسب أسفار التناخ.
لكن ما حدث بعد موت سليمان، هو أن القبائل أو الأسباط الإسرائيلية البالغ عددها 12 سبطاً لم تتفق على قبول ابن سليمان “رحبعام” ملكاً بعد والده؛ وبناءً على ذلك انقسمت المملكة الموحدة إلى مملكتين: مملكة شمالية عاصمتها مدينة السامرة وعرفت باسم “مملكة إسرائيل”، وضمت الأسباط العشرة التي رفضت رحبعام، وهي أسباط: (راؤبين، وشمعون، وزبولون، ويساكر، ودان، ونفتالي، وجاد، وأشير، ومنسى، وافرايم). ومملكة جنوبية عاصمتها مدينة أورشليم (القدس)، وضمت سبط “يهوذا” الذي تنتمي إليه أسرة سليمان بالإضافة إلى سبط “بنيامين”.

السبي الآشوري واختفاء الأثر
يذكر التناخ كثيراً من القصص عن تاريخ المملكتين بعد هذا الانقسام؛ منها أن المملكة الشمالية انغمست في عبادة الأوثان والانحلال بعد فترة وجيزة من تأسيسها، مما أدى لغزو الآشوريين لها سنة 722 قبل الميلاد كعقوبة إلهية. كانت الإمبراطورية الآشورية الحديثة أقوى دولة في الشرق الأدنى القديم، وقد انتهج ملكها “سرجون الثاني” سياسة توسعية واعتمد على نفي الشعوب من الأراضي المحتلة وتهجيرها ليسهل السيطرة عليها؛ لذلك تم نفي هذه الأسباط العشرة من مملكة إسرائيل بعد سقوطها.
بعد ذلك، لاقت المملكة الجنوبية مصيراً مشابهاً على يد البابليين في عهد الملك “نبوخذ نصر الثاني” عام 587 قبل الميلاد، لكن التناخ تحدث عن عودة شعب المملكة الجنوبية إلى أرض فلسطين بعد أن حررهم “كورش الكبير”. وعلى العكس، لا يذكر التناخ أي شيء عن مصير القبائل العشرة التي تم نفيها في السبي الآشوري.

فرضيات البحث عن المفقودين
ظهرت العديد من الافتراضات عن مصير هذه القبائل؛ أقربها للمنطق هي أنها قد اندمجت في المجتمعات المحلية لبلاد ما بين النهرين ومنطقة الهلال الخصيب، لكن فرضيات أخرى أكثر غرابة ظهرت بعد أن ادعى رحالة يهودي عثوره على جماعة يهودية مفقودة في غابات أمريكا الجنوبية.
كان “أنطونيو دي مونتسينوس” يهودياً ولد في هولندا لأسرة مهاجرة من البرتغال، ذهب مونتسينوس في عدد من الرحلات لاستكشاف أمريكا الجنوبية بداية من سنة 1637، وفي إحدى هذه الرحلات زعم أنه التقى بجماعة معزولة في غابات الإكوادور تحفظ صلاة “اسمع يا إسرائيل” التي تعتبر أهم صلاة في اليهودية، وأن هذه الجماعة تنتمي للقبائل العشرة التي ضاعت بعد السبي الآشوري. نجح مونتسينوس في إقناع حاخام هولندي هو “منسى بن إسرائيل” بصدق أقواله، مما دعاه للاعتقاد بقرب قدوم “المسيا” المخلص ونهاية العالم، لأن اليهود صاروا مشتتين في كل بقاع الأرض.

من بريطانيا إلى طالبان: اتساع دائرة المزاعم
لم يُعثر أبداً على القبيلة التي زعم مونتسينوس أنه التقاها، لكن الفكرة التي طرحها دفعت الكثير من اليهود والمسيحيين البروتستانت إلى طرح افتراضات عن هوية أحفاد هذه القبائل العشرة في العالم المعاصر. من هذه الأفكار فكرة “الإسرائيلية البريطانية” التي لاقت رواجاً في القرن التاسع عشر، ومفادها أن البريطانيين والأمريكيين هم أحفاد الأسباط العشرة المفقودة، وأنه يجب عليهم مساعدة أقربائهم اليهود في العودة لأرض إسرائيل لتحقيق نبوءات آخر الزمان.
فرضيات أخرى ادعت أن أحفاد هؤلاء الأسباط هم “الهنود الحمر” السكان الأصليون للأمريكتين، وفرضيات أخرى ربطتهم بجماعات أفريقية مثل شعب “الإيغبو” في نيجيريا، بل ربطهم البعض بشعب “الباشتون” الذين شكلوا حركة طالبان!

التوظيف السياسي المعاصر
تدعي الآن العديد من الجماعات في أفريقيا وآسيا انتسابها للأسباط المفقودة، وتأخذ حكومة الاحتلال بعض هذه الادعاءات على محمل الجد وتدعو هذه الجماعات للاستيطان في فلسطين بعد تهويدهم بشكل كامل، تحت ذريعة “حق العودة” الذي يضمن لأي يهودي في العالم “العودة” إلى فلسطين باعتبارها أرض أجداده وملكاً أبدياً للشعب اليهودي! وربما يهدفون لجعل هذه الشعوب المتهودة حائط الدفاع الأول أمام العرب في الأراضي المحتلة؛ لحماية اليهودي الأوروبي “الثمين” في حال قام العرب بانتفاضة أو حرب.




