في حضرة أبطال أكتوبر… تنحني الكلمات

بقلم : نهلة سليم
صحفية وعضو نقابة الصحفيين الألمانية DJV
ورئيس مجلس ادارة المركز الألماني الدولي للثقافة والإعلام بألمانيا
هناك لحظات في العمر يشعر فيها الإنسان أن الكلمات أصبحت أصغر من أن تصف، وأن الحروف مهما بلغت قوتها تعجز عن نقل هيبة الموقف وعظمة الرجال. هكذا كان شعوري وأنا أجلس وسط أبطال دفعة 59 مشاه، دفعة الشهيد الفريق عبد المنعم رياض، أولئك الرجال الذين كتبوا بدمائهم أعظم صفحات المجد في تاريخ مصر الحديث.
لم أكن في لقاء عادي، بل كنت في حضرة رجال حملوا أرواحهم على أكفهم، وعبروا إلى الموت كي تعبر مصر إلى الحياة. رجال قاتلوا من أجل أن تبقى الأرض مصرية، وأن يظل العلم المصري مرفوعًا فوق سيناء لا تنكسه راية غريبة ولا تطأه قدم مغتصب.

ورغم مرور أكثر من ستة وخمسين عامًا على تخرجهم، ما زالت روح الخندق الوال جمعهم. يلتقون كل أول شهر، يحتفلون بأعياد ميلاد رفقاء السلاح، ويتبادلون الذكريات وكأن الحرب انتهت بالأمس فقط. وعندما جلست بينهم للمرة الأولى، شعرت بفخر لم أشعر به طوال حياتي. كنت أستمع إلى حكايات الجبهة فأرى في أعينهم نفس البريق، ونفس الإيمان، وكأن البنادق مازالت معلقة على أكتافهم.
ومع مرور الوقت أصبحت منتظمة في حضور لقائهم الشهري، وما أعظم لقاء الأبطال. فكل جلسة معهم ليست مجرد لقاء عابر او اجتماعات ليس لها معني ولا هدف بل رحلة داخل تاريخ مصر الحقيقي، تاريخ صنعه رجال دفعوا أعمارهم ودماءهم كي نحيا نحن في وطن آمن حر. وفي كل مرة أجلس بينهم أشعر أنني أمام مدرسة وطنية عظيمة، عنوانها الشرف والانتماء والتضحية.
هؤلاء الرجال لا يتحدثون عن الحرب كحكاية قديمة، بل كرسالة عمر، وكشرف لا ينتهي. ومن بين تلك الوجوه المضيئة بالتاريخ، كان لقائي باللواء الدكتور محمد الصول، أحد أبطال رفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة بعد بدء الحرب بساعة ونصف ، فقط. بعدما استشهد زميله وهو يحاول رفع العلم، حمل الراية بكل جسارة، وغرسها فوق الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء، ليعلن للعالم أن مصر عادت، وأن الكرامة لا تموت.

ولم تكن البطولة عند هذ ا للعدو، بل كانت أيضًا مدرسة في الأخلاق والانضباط العسكري والإنسانية. فقد روى اللواء محمد الصول أن قائد الكتيبة أصدر أوامر صارمة وواضحة بأن أي جندي يطلق النار على أسير إسرائيلي سوف يُحال إلى محاكمة عسكرية. وهنا تتجلى عظمة الجيش المصري الذي خاض أشرف المعارك، لكنه ظل متمسكًا بقيمه وأخلاقه حتى في أشد لحظات الحرب ضراوة. تلك الأخلاق لا تجدها إلا في خير أجناد الأرض، الذين جمعوا بين الشجاعة والرحمة، وبين القوة والالتزام الإنساني.
ولأن البطولة الحقيقية لا تتجزأ، فقد ظل اللواء محمد الصول بعد الحرب نموذجًا للنزاهة والشرف. فعندما كان يخدم في حرس الحدود، رفض رشوة بملايين الجنيهات لإتمام صفقة مخدرات، في موقف يؤكد أن الرجال الذين حافظوا على الأرض هم أنفسهم الذين حافظوا على شرف الوطن وأبنائه. وقد تحولت هذه القصة الوطنية إلى عمل فني جسده الفنان نور الشريف في مسلسل “عيون الصقر”.
إن أعظم ما يميز هؤلاء الأبطال أنهم لم يطلبوا يومًا تكريمًا أو شهرة، بل عاشوا في صمت الكبار. لكن من واجبنا نحن أن نروي بطولاتهم للأجيال، وأن نُعرّف أبناءنا بمن صنعوا لهم وطنًا حرًا عزيزًا. فمن الظلم أن نبقى أسماء هؤلاء العظماء حبيسة الذكريات، بينما هم الذين صنعوا المجد لتبقي مصر.

ولذلك, فإنني أطالب الدولة المصرية، والرئيس عبد الفتاح السيسي، بتكريم أبطال دفعة 59 مشاه تكريمًا بليق بما قدموه لهذا الوطن، خاصة في احتفالات نصر أكتوبر القادمة. هؤلاء الرجال ليسوا مجرد محاربين سابقين، بل هم جزء حي من ذاكرة الوطن وكرامته.
وقد تشرف اللقاء بحضور اللواء إسماعيل عطية، محافظ أسوان السابق، أحد أبناء هذه الدفعة العظيمة، كما لا يمكن أن نغفل الجهد النبيل الذي بذله العميد علي الدهان في تنظيم هذه اللقاءات الشهرية، ليظل رفقاء الخندق متماسكين كما كانوا آيام الحرب.
ولقاؤنا القادم سيكون في مدينة الإسماعيلية، بدعوة كريمة من سيادة اللواء أبو جريشة في مسقط رأسه، لنواصل تلك الرحلة الإنسانية والوطنية مع أبطال دفعة التميز باسمها وبرجالها، دفعة الشهيد الفريق عبد المنعم رياض. وهناك, كما وعدت نفسي، سأواصل الكتابة تباعًا عن قصة بطل جديد من أبطال / هذه الدفعة العظيمة، لأن تاريخهم لا يجب أن يُنسىء ولأن بطولاتهم أكبر من أن تختصر في مقال واحد.


إن مصر التي نعيش فيها اليوم مدينة لهؤلاء الرجال.
مدينة لمن ضحوا بشبابهم وآعمارهم كي يبقى الوطن مرفوع الرأس بأبطاله، وإن مصر ستظل عظيمة ما دام فيها من يضحون بالغالي والنفيس كي تبقي لنا حرة عزيزة أبيه.
وفي نهاية كل لقاء معهم، أدرك أن بعض الرجال لا يشيخون أبدًا، لأن البطولة تحفظ أصحابها في ذاكرة الوطن، ولأن من عاش من أجل مصر… يبقى خالدًا في
قلبها إلى الأبد.
تحية إجلال واحترام لكل أبطال أكتوبر، ولكل جندي قدم لوطنه في كل مكان يعمل به بكل امانة واخلاص

مصافحتي ليد اول من رفع علم مصر علي الضفة الشرقية للقناه بعد ساعة ونصف من بداية القتال بعد ان حمله من بعد زميله الذي استشهد عند رفعه مع البطل العظيم سيادة اللواء دكتور محمد الصول صاحب ارفع الأوسمة



