الفرار من الواقع للزمن الجميل

بقلم د : غادة محفوظ
أحيانًا لا نهرب إلى الماضي… بل نهرب من الضجيج إلى المعنى.
كأن الروح، حين تتعب من زحام هذا الزمن البلاستيكي، تبحث عن مقعد قديم في دار الأوبرا، عن نغمة بيانو يسكبها عمر خيرت فوق القلب، فتعود الأشياء إلى إنسانيتها الأولى.
أنا لا أشاهد الفن القديم… أنا أسكنه. أدخل إلى الأبيض والأسود كما تدخل امرأة عاشقة إلى بيتها الأول، تلمس الجدران بحنين، وتعرف أن الأرواح القديمة كانت أكثر دفئًا من مصابيح هذا العصر البارد.
هناك… كانت الكلمة ترتدي وقارها. وكان الحب يمشي على استحياء، لا يصرخ في الطرقات ولا يتسول الإعجاب. نظرة واحدة في فيلم الباب المفتوح كانت تستطيع أن تهزم ألف مشهد مبتذل الآن، لأن المشاعر وقتها لم تكن تُكتب بالكاميرا فقط، بل كانت تُطرَّز بخيط من روح.
في سيدة القصر كانت الأنوثة تشبه قصيدة تتكئ على البيانو، وفي المراهقات كان التمرد بريئًا كعصفور يحاول أن يفتح نافذته الأولى للحياة، أما اللص والكلاب فكان يركض داخل الإنسان لا خارجه؛ لصًا يسرق الطمأنينة من مجتمع يزداد قسوة.
وحين كتب أسامة أنور عكاشة، لم يكن يكتب شخصيات… بل كان يفتح شبابيك مصر القديمة، فتدخل رائحة الشاي، وصوت الباعة، ووجع الطبقة المتوسطة، وكرامة الناس البسطاء. كان يعرف أن الوطن ليس خريطة، بل حكايات بشر.
أما سمية الالفى امل صبور في الراية البيضا، فلم تكن تمثل… كانت تقف مثل ضمير قديم يصرخ في وجه القبح: “ليس كل ما يُشترى يُصبح جميلًا.” وكأن العمل كله معركة أبدية بين المال والذوق، بين الإسمنت والروح.
ثم يأتي سيد حجاب، فيحوّل تترات المسلسلات إلى سيرة شعب.
كلماته لم تكن تُغنّى… كانت تُعلّق على جدران القلب مثل أيقونات مصرية قديمة. كان يأخذ العامية من يدها المتعبة، ويغسلها بماء الشعر، فتخرج نقية كأنها ابنة النيل نفسها.
الغريب أنني حين أستمع إلى تلك الأعمال أشعر أن الزمن القديم لم يمت… بل اختبأ من صخبنا. كأن الأبيض والأسود لم يكن لون الصورة، بل لون النقاء قبل أن تتسخ الروح الحديثة بالإيقاع السريع والعلاقات المؤقتة والمشاعر سريعة الذوبان.
أنا لا أحن إلى الماضي لأن الماضي كامل… بل لأن الإنسان فيه كان أقل تشظيًا. كان العاشق يكتب خطابًا، لا “seen”. وكان الانتظار فضيلة، والصوت المنخفض ثقافة، والوجع يُقال بالشعر لا بالصراخ.
لهذا أطير أحيانًا فوق سحابات الزمن القديم، لا لأهرب من الواقع، بل لأتذكر أن الجمال كان يومًا قيمة، وأن الفن كان يربي الذائقة لا يستهلكها. أعود إلى هناك، حيث كانت الموسيقى تمشي حافية داخل القلب، وحيث كانت مصر تُشبه امرأة نبيلة ترتدي الأبيض والأسود، لكنها تحمل في عينيها كل ألوان الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى