• قانون الأسرة الجديد..  هل هو المسمار الأخير في نعش الأسرة المصرية

بقلم دكتورة هالة عبد العزيز

ليست الأزمة الحقيقية في قوانين الأسرة أن تُنصف المرأة أو تحمي الرجل، وإنما أن يختل ميزان العدالة ذاته. فالقانون العادل لا يُبنى على افتراض أن طرفًا ضحية دائمة والطرف الآخر مسؤول بصورة شبه مستمرة، بل يقوم على التوازن بين الحقوق والالتزامات، وبين الحماية والمسؤولية، بما يضمن استقرار الأسرة ويحفظ كرامة جميع أطرافها.

 

ومن هنا تبرز التساؤلات المشروعة حول مشروع قانون الأسرة الجديد، وما أُثير بشأنه من جدل قانوني ومجتمعي واسع يتعلق بمدى قدرته على تحقيق العدالة المتوازنة داخل الأسرة المصرية، بعيدًا عن تغليب مصلحة طرف على حساب الآخر.

 

لقد اتجه المُشرّع إلى إحاطة المرأة بمنظومة واسعة من الضمانات القانونية والمالية؛ بداية من وثائق التأمين والمنقولات، ومرورًا بالنفقات المتعددة، والتوسع في الأدوات القانونية المرتبطة بالخلع والتمكين والحضانة، وصولًا إلى بعض المفاهيم المستحدثة المرتبطة بالكد والسعاية.

وفي المقابل، لم يظهر ذات الاتساع التشريعي في وضع ضمانات موازية تكفل حماية الرجل من التعسف أو إساءة استعمال بعض النصوص القانونية، بما يحقق التوازن المطلوب بين طرفي العلاقة الأسرية.

 

فإذا كان القانون قد منح المرأة مساحة قانونية واسعة لإنهاء العلاقة الزوجية متى استحالت العِشرة بالنسبة لها، فإن التساؤل المشروع يظل قائمًا حول مدى منح الرجل ذات الحماية القانونية إذا ثبت تعرضه للتدليس أو الغش أو إخفاء عيوب جوهرية تؤثر في استمرار الحياة الزوجية.

ولماذا يبقى الرجل ملتزمًا بالأعباء المالية في أغلب الأحوال، حتى في بعض الحالات التي يثبت فيها التعسف أو إساءة استعمال الحق أو الإخلال الواضح بواجبات العلاقة الزوجية؟

 

ومن أبرز أوجه القصور كذلك استمرار غياب المعالجة التشريعية الحاسمة لملف الزواج العرفي، رغم ما خلّفه من أزمات اجتماعية وقانونية لا حصر لها. فبدلًا من وضع ضوابط واضحة وصارمة تحد من آثاره السلبية، ظل الباب مفتوحًا لعلاقات غير موثقة أهدرت حقوق نساء وأطفال ورجال على السواء، وأصبحت في بعض الحالات وسيلة للتحايل على قوانين النفقة أو الدعم أو الحضانة، في ظل غياب رقابة تشريعية كافية تضمن حماية الأسرة والمجتمع.

 

كما يثور التساؤل حول فلسفة المشرّع في العلاقة بين النفقة والالتزامات الأسرية المتبادلة؛ إذ جرى التوسع في تقرير الالتزامات المالية على الزوج، بينما أصبح الأثر القانوني للطاعة محدودًا مقارنة بحجم تلك الالتزامات، حتى بدا التوازن التشريعي مختلًا في بعض الحالات.

فالحقوق لا يمكن أن تُفرض بمعزل عن الواجبات، كما أن استقرار الأسرة لا يتحقق إذا شعر أحد أطرافها بأن الالتزامات مفروضة عليه بصورة منفردة دون وجود توازن عادل في المسؤوليات.

 

وفي قضايا الخلع، توسع القانون في منح المرأة الحق في إنهاء العلاقة الزوجية بإجراءات سريعة وحاسمة نسبيًا، مع تضييق نطاق الطعن في بعض الحالات، بينما لم تُحسم بصورة واضحة وعادلة مسألة رد المهر الحقيقي أو تقدير التعويض عن الأضرار الواقعة على الزوج نتيجة إنهاء العلاقة دون وجود سبب جوهري ثابت.

ومن هنا يظل التساؤل مطروحًا حول مدى تحقق العدالة التعاقدية الكاملة بين الطرفين، باعتبار أن عقد الزواج في الأصل علاقة قانونية تقوم على التوازن والالتزام المتبادل.

 

أما فيما يتعلق بإثبات النسب، فقد اتجه المشرّع إلى التوسع في وسائل الإثبات حمايةً للطفل، وهو هدف إنساني وقانوني لا خلاف عليه، إلا أن ذلك صاحبه تضييق واضح في حق الأب في نفي النسب من خلال قيود زمنية وإجرائية شديدة، بما قد يخلق مستقبلًا إشكاليات قانونية واجتماعية معقدة تستوجب إعادة النظر في تحقيق التوازن بين حماية الطفل وضمانات الإثبات العادلة لجميع الأطراف.

 

كذلك يثير الأخذ الانتقائي من بعض الآراء الفقهية علامات استفهام متعددة؛ إذ يتم أحيانًا اختيار الآراء الأكثر اتساعًا حين تتوافق مع اتجاه تشريعي معين، بينما تُهمَل آراء فقهية مستقرة تاريخيًا عندما لا تحقق ذات التوجه. وهو ما قد يُفقد التشريع اتساقه الفلسفي والفقهي، ويُضعف شعور المواطنين بوجود معايير موحدة تطبق بعدالة وتجرد على الجميع.

 

إن أخطر ما قد يصيب قوانين الأسرة أن تتحول من وسيلة لحماية الكيان الأسري إلى ساحة لصراع الحقوق بين الرجل والمرأة. فالأسرة لا تُبنى بالغلبة القانونية لطرف على حساب الآخر، وإنما تُبنى بالعدل والإنصاف والتوازن، وبوجود تشريع يربط بين الحق والمسؤولية، وبين الحماية والالتزام.

 

فالعدالة الأسرية لا تتحقق بتغليب طرف على آخر، وإنما بضمان توازن الحقوق والواجبات بصورة عادلة تحفظ استقرار الأسرة وتحمي المجتمع من تفكك العلاقات وتحولها إلى نزاعات قانونية مستمرة.

 

ومن ثم، فإن أي قانون أسرة حقيقي يجب أن يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية الواضحة، أهمها:

 

▪️* حماية المرأة من الظلم والعنف دون افتراض مسؤولية أحد الطرفين بصورة دائمة.

▪️* ضمان حقوق الأطفال دون إهدار حقوق الأب أو الانتقاص من دوره الأسري والإنساني.

▪️* تحقيق توازن حقيقي بين النفقة والمسؤولية المشتركة داخل الأسرة.

▪️* تجريم التحايل القانوني أيًا كان مصدره أو الطرف المستفيد منه.

▪️* وضع ضوابط عادلة ومتوازنة لمسائل الخلع والطلاق والحضانة والرؤية.

▪️* احترام مبدأ المساواة في الالتزامات كما في الحقوق.

▪️* تعزيز فلسفة الحفاظ على الأسرة قبل تحويل الخلافات إلى معارك قضائية ممتدة.

 

وإذا كان الهدف الحقيقي لأي تشريع أسري هو الحفاظ على استقرار المجتمع، فإن ذلك لن يتحقق عبر توسيع دائرة الصراع بين الرجل والمرأة، بل عبر بناء منظومة قانونية تُعيد الثقة في العدالة نفسها. لأن الشعور بالظلم — أيًا كان مصدره — هو أول ما يهدم الاحترام داخل الأسرة، وأول ما يدفع الأطراف إلى استخدام القانون كسلاح للصراع بدلًا من كونه وسيلة لتحقيق الإنصاف.

 

إن حماية المرأة واجب لا خلاف عليه، كما أن حماية الأطفال ضرورة إنسانية وقانونية لا تقبل الجدل، لكن العدالة الحقيقية تقتضي كذلك حماية الرجل من التعسف، ومنح كل طرف ضمانات قانونية متوازنة تمنع إساءة استعمال النصوص أو استغلال الثغرات التشريعية لتحقيق مكاسب على حساب استقرار الأسرة.

 

فالقوانين التي تُبنى على ردود الأفعال أو الضغوط المجتمعية المؤقتة قد تحقق مكاسب آنية، لكنها قد تترك آثارًا عميقة على بنية الأسرة والمجتمع على المدى الطويل. كما أن المبالغة في افتراض سوء نية أحد الأطراف تُنتج بيئة أسرية قائمة على الشك والصراع القانوني، لا على المودة والاستقرار والشراكة الإنسانية المتوازنة.

 

ومن هنا، فإن إصلاح قوانين الأسرة لا يجب أن يقتصر على زيادة الحقوق المالية أو توسيع أدوات التقاضي، بل يجب أن يمتد إلى إعادة صياغة فلسفة التشريع ذاتها؛ بحيث تقوم على تحقيق التوازن الحقيقي بين الحقوق والواجبات، وربط كل حق بمسؤولية تقابله، وكل حماية بضمانات عادلة للطرف الآخر.

 

فالأسرة ليست مؤسسة نسائية أو رجالية، وإنما كيان اجتماعي متكامل، وأي اختلال في ميزان العدالة داخله سينعكس بالضرورة على المجتمع بأكمله. ولذلك فإن نجاح أي قانون أسرة لا يُقاس بعدد الامتيازات التي يمنحها لطرف، وإنما بقدرته على تحقيق الإنصاف، ومنع الظلم، وحماية استقرار الأسرة دون انحياز.

 

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:

 

هل نريد قانونًا يُرضي طرفًا على حساب الآخر؟

أم نريد قانونًا عادلًا يُعيد للأسرة توازنها، ويحفظ كرامة الجميع، ويقف على مسافة واحدة من كل الأطراف

 

#دكتورة_هاله_عبدالعزيز

#محامية

#استشاري_علاقات_اسرية

#مؤسسة_منهج_المحامي_النفسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى