صلاح مرعي.. الصورة التي تسكنها الارواح

بقلم الدكتورة ايمان فارس سلمان
ليس من السهل أن نتحدّث عن صلاح مرعي دون أن نقع في فخ التقليل من شأنه بوصفه مجرد “مهندس ديكور” أو “مصمم مناظر”، كما كانت تُسمى المهنة قديمًا في سجلات السينما، ذلك أن ما قدّمه مرعي يتجاوز الوظيفة التقنية إلى بناء جماليات بصرية كاملة، وخلق عوالم سينمائية ذات توقيع خاص، يمكن التعرف عليها حتى لو لم يُذكر اسمه في التترات، لقد كان مرعي، بوعي أو بدونه، معماريًّا سريًّا للصورة، يرسم الجمال والواقع والرمز بصمت، ويترك للمشهد أن ينطق عنه.
ولد صلاح مرعي في زمن كانت فيه السينما المصرية تمر بتحولات جذرية، منذ نهايات الخمسينيات وحتى تسعينيات القرن العشرين، وهي المرحلة التي شهدت تصاعدًا للفكر الواقعي، مرورًا بالتجريب السياسي، وانتهاءً بالميل إلى الحنين والزخرفة، وفي كل مرحلة من هذه، لم يكن مرعي مجرد تابعٍ للموضة السائدة، بل خالقًا لروح بصرية توازي خطابات المخرجين، بل وتسبقهم أحيانًا، في عالم صلاح مرعي، لا يكون الديكور إطارًا يُلبس النص، بل يصبح نصًا موازيًا، وشريكًا صامتًا في صناعة المعنى، الحائط المتآكل، السلم المتآكل، السقف الواطئ، السوق الشعبي، الإضاءة الآتية من نافذة مكسورة، وحتى موضع طاولة في مطبخ فقير — كلها عناصر لا تُوضع اعتباطًا، بل بتفكيرٍ دراميّ عميق، يرتبط بالشخصيات، بالزمن، بالطبقة الاجتماعية، وبالثيمات الوجودية التي يناقشها الفيلم.
عمل مرعي مع مخرجين من مشارب فكرية متباينة : من شادي عبد السلام، الحالم بالتاريخ والهوية، إلى علي بدرخان الثائر المتجدد، إلى رضوان الكاشف المتأمل في الذات والمدينة، وفي كل مرة، استطاع أن يخلق لكل فيلمٍ عالمه البصري الخاص، دون أن يكرّر نفسه أو يفرض “ستايلًا” واحدًا، لقد آمن أن الشكل يجب أن يُولَد من المضمون، وأن الفضاء ليس محايدًا، بل هو انعكاس للروح التي تسكنه.
وإذا كانت الصورة السينمائية تعيش في الذاكرة أكثر مما تفعل الكلمات، فإن مرعي هو أحد أولئك السحرة الذين صاغوا تلك الصور التي تترسب في لاوعينا : الأزقة المنحنية الحارات المتآكلة في “الجوع”، القصر المتآكل في “السمان والخريف”، فضاء الصحراء المقدّس في “المومياء”، والمدينة التي تمشي على عكّاز في “الساحر”.
إن ما يجعل من صلاح مرعي حالة فنية فريدة، هو ذلك الانصهار بين المعمار والفن التشكيلي، بين الذائقة الشعبية والعمق الفلسفي، بين الواقعية والحلم، وقد استطاع من خلال أدواته الصامتة أن يكون صانع هوية بصرية للسينما المصرية الحديثة، دون أن يعلن عن نفسه، ربما لهذا سُمِّي هذا الكتاب “المعمار الخفي للصورة”، فهو لم يكن يومًا مجرد صانع جدران، بل مهندسًا للزمن، ومؤطِّرًا للحدث، وكاشفًا عن الطبقات الدفينة للشخصيات من خلال الفضاء الذي تحتله وتتحرك فيه.
في هذا الكتاب، لا نقدّم دراسة توثيقية فقط، بل نحاول إعادة قراءة مشروع صلاح مرعي من منظور جمالي-فلسفي، يتقصّى رمزية الفضاء، دلالة اللون، العلاقة بين الجسد والمكان، بين الزمن والديكور، بين العين والرؤية، نحاول أن نرسم خريطة لحضوره في السينما المصرية، كما نحاول أن نفكك شفراته الجمالية، وأن ننظر إلى أعماله كما يجب أن تُرى : بوصفها نصوصًا موازية، لا تكمّل الفيلم بل تصنعه من داخله، ربما يكون صلاح مرعي، في نهاية المطاف، واحدًا من هؤلاء القلائل الذين رسموا صورة الحلم، وصاغوا ملامح الكابوس، دون أن يغادروا الكواليس، هذا الكتاب محاولة للضوء… ضوءٍ نضعه على معماريٍّ آمن بالصورة، وسكنها، وسكنت فيه.



