عقول بعيدة عن الواقع

سهله المدني
عقول بعيدة عن الواقع، و للكاتب تأثير كبير على المجتمع. الكاتب والكاتبة يكتبون حروفهم، لكنها تظل عالقة في ذاكرة القراء، وتجتاحهم تلك الحروف، وتأخذ من وقتهم وتفكيرهم، وترسم لهم طريقًا مختلفًا عن بقية البشر. وكأن الثقافة وفهم العالم لا يفعلان ذلك، ولا يستطيع أن يفعله سوى الكاتب والكاتبة؛ فعقولهم وقلوبهم وأقلامهم هي فقط لتطوير المجتمع، وليس غير ذلك.
عندما نتحدث بواقعية، نجد أن الكاتب والكاتبة يعتمدان على بعض المصطلحات والكلمات لكي يجعلوا مما يكتبونه ذا قيمة في المجتمع. الحقيقة الكاملة لا يمكن أن تُقرأ بشكل أوسع، ولا يمكن أن تكون قريبة إلى القلب؛ فالأقرب إلى القلب والروح هو تقديمها بصورة غير واقعية لكي تبدو جميلة. هذا ما يفعله بعضهم لكي يجد من يقرأ حروفه، فيرسم قيَمًا ومبادئ وأخلاقيات لم يكتبها التاريخ، لكي يكتب اسمه في التاريخ.
كل إنسان قد يتنازل لكي ينجح في حياته ويصل، والكاتب والكاتبة بعضهم وليس الجميع، قد يتنازل عن قيمه وأخلاقه، ويتنازل عن الحقيقة ويبيعها، ويكون الثمن هو الحصول على شهرة كبيرة وجمهور يقرأ الكذب الذي يبيعه لهم، وقيمًا ومبادئ لا وجود لها، لكي يصل إليهم.
أخبث كاتب وكاتبة هو الذي يتلاعب بك؛ سواء كان في محيطك وعالمك أو خارجه. المتلاعب يتلاعب بمن يعرفهم وبمن لا يعرفهم. وعندما نتحدث عن صفات الكاتب أو الكاتبة الخبيث المتلاعب، فهو يتحدث عمّا تحتاجه، ويستغل هذه النقطة التي يلعب عليها، وبذلك يتحكم في مشاعرك ويرسم لك صفات في الحب وصفات في الشخصية غير موجودة في الواقع لكي تصدقه .
وقد يتحكم في مشاعرك بكلمة واحدة منه. مثال: لديك استثمار كبير جدًا، وهذا المشروع يعتمد على أفكار جديدة، وأخبرت به كاتبًا أو كاتبة، سواء كان معروفًا أو غير معروف، لكنه لا يمتلك أخلاقيات المهنة، فهو قد يبيع أفكارك ومشروعك. أنت تخبره قبل تنفيذ الفكرة وقبل نجاحها، فيبيعها أو يمنحها لغيرك لكسب ود واحترام شخص ثري، وبذلك تخسر مشروعًا كان بإمكانه أن يغيّر حياتك إلى الأفضل.
أو تكون في حالة حب كبيرة، ووجدت السعادة وتريد الزواج، فتخبره بذلك. هنا يظهر خبثه؛ فيخبرك أن من تحب شخص متعلق، ولن يستمر في حبك و عندما يحصل عليك سيتوقف عن حبك ، وقد يؤذيك، وهو غير محب لذاته، وأن ما يشعر به مجرد تعلق مرضي، وأنه غير سوي، ولا يمكنك إصلاحه. هذا يحدث بينما ذلك الشخص في حياتك يسعى لإسعادك، فيجعله يبدو وكأنه مليء بالعيوب، فتتركه وتبتعد عنه.
وعندما يتأكد هذا الكاتب أو الكاتبة أنه خرج من حياتك، وعندما يخرج من حياتك بسببه هو لأنه يتحدث عن التخطي ويعطيه خطوات التخطي وفك التعلق، وبذلك هو يحرضه ضدك لكي ينساك كما يفعل معك يفعل معه ، وعندما يتأكد بأنك لا تزال تحبه، يتغير حديثه، ويبدأ بالتحريض ضدك و هو كان معك والآن أصبح ضدك ، ويتحدث عن أدق التفاصيل والمواقف، ويذكر أنه تخلى عنك ويجب ألا تعود إليه. ثم يبدأ بوصفك بأجمل الصفات، بعد أن كان يصفك بأنك متعلق ومريض ، فيقول إنك عاشق وأنت الوحيد الذي تحبه ولن تجد من يحبك مثلما ما احبك هو، ولن تجد مثله مهما فعلت ، فيجعلك تصدق هذا التناقض.
وعندما يشعر أنك على وشك خسارته، أو أن كليكما يريد الآخر، يبدأ كل يوم أو أسبوع بالحديث عنك أو عنه بشكل غير جميل: مرة أنت نرجسي، و الطرف الآخر متعلق… وهكذا، ليقدم محتوى للجمهور. فهو لا يريد لك أن تكون مع من تحب.
وعندما تخسره، يبدأ بالحديث عنه وكأنه ملاك. لماذا أصبح ملاكًا؟ لأنه لم يعد في حياتك. والذي لا يعرفه سيقع في هذا الفخ ، لأن العلاقات هدفها الزواج وهو يدمر ذلك الهدف .
لذلك، هذا أخطر نوع من الكتّاب؛ لأنه يعلقك بالسراب. وعندما يقترب منك هذا السراب، يجعلك تراه بصورة غير واقعية وغير جميلة ، كالأفعى عندما تنقض على فريستها؛ فمشاعرك وقلبك مثل الفريسة، لا قيمة لها أمامه. ما يهمه فقط أن يجد محتوى يقدمه للجمهور، ولا يهم ما تشعر به.
ألمك هو كلمات يحيا من خلالها، ويجعل قلبك معه ويحركه، وبذلك تصبح معلقًا، لا ترى سوى ما يقوله لك. هذا ما يحدث للبعض، وهذا ما يفعله بعض الكتّاب وليس الجميع.
الكاتب والكاتبة الخبيث يصور لك نفسك بأنك خسرت الكثير من أجل من لا يستحق يرسم لك هوية وأفكار تجعلك لا ترى سوى نفسك، و يجعلك أناني و غير مبالي بمن حولك، و يجعلك تنفرد بذاتك، و يضخم لك صفات الجمال فيك ويجعلها غير واقعية، مثال إنك شيء لن يتكرر في حياة من تكون في حياته.
و هو يفعل ذلك لكي يبرمج عقلك وفكرك بالأفكار التي يريدك أن تؤمن بها، و أنت لست بالصورة التي يصورك عليها فأنت إنسان لديك عيوب ولديك صفات جميلة وغير جميلة، وكل إنسان لديه طباع جميلة أو غير جميلة فهي لا تحدث بسبب أنه يريد أن يدمرك أو يكسرك، فهذه طباعه وشخصيته قبل أن يراك، و الصادق عندما يجد من يكذب عليه لن يجعله ذلك يتحول إلى كاذب فهو صادق ولن يغير طباعه.
و الرومانسي عندما يجد شريك غير رومانسي لن يغير طباعه أما ينفصل أو يمارس سلوكه مع من يشاركه ذلك، و المتلاعب لا يفعل ذلك لأنه يريد تدميرك لا بل لأن هذه طباعه فكل من أقترب منه سيتلاعب به وهذه طباعه ولن يستطيع أن يغيرها، و بفعله هذا يلغي الحقيقة ويجعلك تعتقد أن كل شيء حدث لكي يدمرك والحقيقة عكس ذلك.
و القلوب والعقول يتم استخدامها بشكل يجعلها تفقد انسانيتها من يخبرك بأنك شيء نادر ولن يتكرر هو لا يفعل ذلك لأنك هكذا، بل لكي يغير عقلك ويجعله بالحجم الذي يريده ويخدم مصالحه فقط، ويجعلك تنتظر الكمال وتنتظر حب مثالي لا وجودله وشخصية مثالية لا وجود لها، ويرسم لك استحقاق كاذب لا وجود له لكي يجعلك تبحث عن سراب وتظل تبحث عنه طيلة حياتك بدون توقف وهو يستمتع وهو يراك بهذه الصورة.
عندما ترى كاتبًا أو كاتبة يفعل هذا أمامك، تأكد أنه لا يفهم الكتابة، وهو دخيل عليها. لأن الكاتب والكاتبة الحقيقي هو من يجعلك ترى الحقيقة، وحروفه ترسمها، ولا يؤمن إلا بها. حتى وإن خسرك، فهو لا يبني شهرته على الكذب، بل يؤمن أن الحقيقة مهما طال الزمن ستظهر، وستعرفها، حتى وإن حاول إخفاءها عنك .
لذلك، هو لا يبيع الكذب لك ، ولا يرسم حياته من خلاله، بل يعيش بالحقيقة، ويرى فيها طريق النجاح لا الفشل.
لا يمكن للكاتب والكاتبة أن يحددا مصير البشر من خلال حروفهم، ولا يمكن أن يكونوا مصدر ثقة لهذا. فالكتابة لا يمكن لها أن تحدد من يستحق أن يشاركك قلبك وحياتك؛ لأن هناك تفاصيل ومواقف حدثت بينكم لا يمكن لأيٍّ كان أن يشعر بقيمتها أو بما تحويه من صدق.
لذلك، فإن الكاتب والكاتبة الذين يعتقدون بأن لهم الحق في ذلك هم بعيدون عن الواقع والحقيقة التي يجب أن يدركوها؛ لأن نجاح العلاقة يعتمد على طرفين، ولا يمكن للطرف الثالث أن يكون دخوله سببًا في نجاح هذه العلاقة، بل قد يكون سببًا في فشلها.
فيجب أن نعرف الحقيقة، ونساهم فيما يكون سببًا في نجاح المجتمع، لا سببًا في تدميره.



