إلزام الزوجين بكتابة عقد موثق قبل الطلاق بكافة الحقوق الخاصة بالأطفال شرط لاتمام الطلاق وتنظيم العلاقة

بقلم د : آمال إبراهيم
رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية
الطلاق الآمن: نحو نموذج شرعي واجتماعي لتنظيم الانفصال وحماية الأسرة
يُعدّ الطلاق أحد الحلول المشروعة التي أقرّها الإسلام عندما تستحيل المعاشرة وتتعذر مقاصد الزواج من سكن ورحمة ومودة، إلا أن الشريعة لم تتركه قرارًا فوضويًا أو أداة للانتقام، بل أحاطته بمنظومة أخلاقية وتشريعية دقيقة تحفظ الكرامة وتمنع الضرر وتؤسس لما يمكن تسميته حديثًا بـ الطلاق الآمن. والمقصود به: إنهاء العلاقة الزوجية بطريقة منظمة وعادلة، تضمن حقوق الطرفين، وتحمي الأبناء من آثار النزاع، وتحوّل الانفصال من أزمة مدمرة إلى انتقال مسؤول.
وقد جاء القرآن الكريم بمنهج متكامل في هذا الباب، يتجلى في قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. وهذه الآية تؤسس لقاعدة عظيمة في العلاقات الزوجية؛ فإما استمرار الحياة الزوجية على أساس المعروف، أي المعاملة الكريمة والحقوق المتبادلة، وإما إنهاء العلاقة بإحسان، أي دون ظلم أو إذلال أو تشهير أو تعطيل للحقوق. فالإسلام يرفض بقاء الزواج صورةً بلا مضمون، كما يرفض أن يتحول الطلاق إلى ساحة صراع.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]، وهي من أرقى الآيات الإنسانية في تنظيم الخلافات الأسرية. فالفضل هنا يشمل العِشرة السابقة، والمواقف الطيبة، وحقوق الصحبة، والستر، والعدل عند الفراق. والمعنى أن انتهاء العلاقة لا يلغي ما كان فيها من خير، ولا يبرر الجحود أو الانتقام. ومن ثمّ فإن الطلاق الراشد لا يقوم على محو التاريخ المشترك، بل على الاعتراف بالمعروف السابق وإنهاء العلاقة بخلق كريم.
كما جاءت سورة الطلاق لتضع إطارًا إجرائيًا منظمًا للانفصال، فذكرت العدّة، والسكن، والنفقة، وعدم الإضرار، والشهادة، والتقوى. قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6]. وهذه الآية تدل على أن مرحلة الطلاق ليست فراغًا قانونيًا أو أخلاقيًا، بل مرحلة تُصان فيها الحقوق وتُمنع فيها الإساءة. فالضرر المادي والنفسي مرفوض، كما أن النفقة والسكن حقان لا يسقطان بالفراق.
مفهوم الطلاق الآمن
في ضوء النصوص الشرعية والمعايير الاجتماعية الحديثة، يمكن تعريف الطلاق الآمن بأنه:
إجراء انفصال منظم، يتم وفق ضوابط شرعية وقانونية، يحفظ الكرامة الإنسانية، ويضمن الحقوق المالية والاجتماعية، ويقلل الأذى النفسي، خاصة على الأبناء.
ولا يقتصر الطلاق الآمن على إصدار لفظ الطلاق أو الحكم القضائي، بل يشمل إدارة ما بعد الانفصال، مثل:
تنظيم الحضانة والرؤية.
تحديد النفقة وآلية سدادها.
تحديد السكن أو البدائل المناسبة.
منع التشهير والإساءة المتبادلة.
وضع قواعد التواصل المتعلقة بالأبناء.
تسوية النزاعات بوساطة أسرية أو قانونية.
أهمية عقد الاتفاق عند الطلاق
من أبرز المشكلات المعاصرة أن الطلاق يقع ثم تبدأ بعدها نزاعات طويلة حول النفقة، والرؤية، والسكن، والتعليم، والعلاج، مما يحمّل القضاء أعباء ضخمة، ويجعل الأبناء ضحايا للصراع. ومن هنا تبرز أهمية عقد اتفاق الطلاق، وهو وثيقة رسمية تُكتب وتُعتمد عند إتمام الطلاق، تتضمن التزامات الطرفين بوضوح.
ويشمل العقد المقترح البنود الآتية:
بيانات الزوجين والأبناء.
قيمة النفقة ومواعيد سدادها.
ترتيبات السكن أو بدل السكن.
الحضانة والرؤية والاستضافة.
المصروفات التعليمية والعلاجية.
آلية حل النزاع مستقبلًا.
التزام متبادل بعدم الإساءة أو التحريض.
توقيع الطرفين والشهود واعتماد الجهة المختصة.
مقترح تشريعي
يمكن اقتراح نظام قانوني ينص على أن: لا يُستكمل توثيق الطلاق رسميًا إلا بعد تقديم عقد اتفاق مُلزِم ينظم الحقوق والواجبات المتعلقة بالنفقة والأبناء والسكن، ما لم يتعذر الاتفاق فيُحال الأمر إلى جهة قضائية مختصة للفصل فيه. وهذا المقترح لا يُعطّل حق الطلاق، وإنما ينظّمه ويمنع الفوضى التي تعقب الانفصال. كما أنه ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والنسل والمال، ومع روح القرآن في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
إن الطلاق ليس فشلًا دائمًا، بل قد يكون أحيانًا الحل الأقل ضررًا، إذا استحالت المعاشرة. لكن الخطر الحقيقي ليس في الطلاق ذاته، بل في الطلاق الفوضوي الذي يهدر الحقوق ويحوّل الأبناء إلى ضحايا. لذلك فإن تبني مفهوم الطلاق الآمن، المستند إلى القرآن الكريم ٧والقيم الإنسانية، ضرورة اجتماعية وتشريعية معاصرة. فالأسرة قد تنتهي كزواج، لكنها لا ينبغي أن تنهار كمسؤولية.



