“حياة الدليفري”: هل فقدنا دفء “الطبيخ” لصالح سعادة الأكياس المغلقة؟

بقلم د : قياتي عاشور

قديماً، كانت البيوت المصرية تُعرف برائحتها؛ رائحة “التقلية” في الظهيرة، وصوت أدوات المطبخ الذي يعلن عن ديمومة الحياة ودفء البيت اليوم، تغيرت “الموسيقى التصويرية” للمنزل، وحل محلها صوت جرس الباب، وصوت محرك دراجة نارية، وشاب يمد يده بـ “أكياس بلاستيكية مغلقة”. هذا المشهد المتكرر ليس مجرد تغير في عادات الأكل، بل هو مؤشر خطير على تحول عميق في شكل العلاقات الأسرية.

نحن نعيش عصر “شراء الرعاية”؛ حيث استبدلنا “الحب المطبوخ” بـ “الخدمة المدفوعة”. مائدة الطعام (السفرة)، التي كانت أقدس قطعة أثاث في البيت المصري، والمكان الوحيد الذي يجمع شتات الأسرة لتبادل النظرات وحل المشكلات، بدأت تفقد وظيفتها تماماً. مع تطبيقات توصيل الطعام، ترسخ مفهوم “الانعزال” داخل البيت الواحد؛ الأخ يطلب وجبته المفضلة، والأخت تطلب صنفاً آخر، والأب يأكل بقايا الأمس. كلٌ يأكل منفرداً في غرفته أمام شاشته الخاصة، فتحول المنزل من “وحدة اجتماعية متماسكة” إلى ما يشبه “الفندق” الذي يضم نزلاء غرباء لا يجمعهم إلا سقف واحد.

إن ثقافة “الدليفري” تكرس لمفهوم نفسي خطير هو “الاستسهال وتلبية الرغبات فوراً”. نحن نفقد تدريجياً فضيلة “الصبر” وانتظار نضج الأشياء، ونعتاد على أن كل رغباتنا يمكن تلبيتها بـ “ضغطة زر”. هذا السلوك الاستهلاكي يسرق منا متعة “المشاركة” و”الانتظار اللذيذ” الذي كان يصنع ذكرياتنا حول مائدة الطعام، ويجعلنا أقل تقديراً للجهد المبذول في صنع الشيء.

علاوة على ذلك، خلقت هذه الثقافة نمطاً من “الكسل الاجتماعي”؛ حيث نعتمد كلياً على جيش خفي من عمال التوصيل الذين يجوبون الشوارع في البرد والحر لنظل نحن في مناطق راحتنا، مستهلكين فقط، دون إنتاج حقيقي حتى لطعامنا اليومي.

نحن لا نحارب التكنولوجيا ولا نرفض الرفاهية، لكننا ندق ناقوس الخطر حول “اختفاء الحميمية”. الطعام في الثقافة المصرية هو “لغة حب” و”رسالة ود”، وحينما يتحول إلى مجرد “أوردر” و”معاملة تجارية جافة”، فإننا لا نفقد فقط نكهة الطعام البيتي التي لا تعوض، بل نفقد جزءاً عزيزاً من “روح البيت” وترابطه الذي بدأ يتآكل ببطء خلف الأبواب المغلقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى