استثمار الخطاب الديني والإعلامي:كيف تتحول القوة الناعمة إلى خط دفاع استراتيجي عن حقوق المرأة في العالم الإسلامي؟

استثمار الخطاب الديني والإعلامي:
كيف تتحول القوة الناعمة إلى خط دفاع استراتيجي عن حقوق المرأة في العالم الإسلامي؟
✍️ بقلم: طه المكاوي
في لحظة إقليمية ودولية تتزايد فيها التحديات المرتبطة بالهوية والوعي والعدالة الاجتماعية، ينعقد المؤتمر الدولي حول «استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي»

تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، باعتباره أكثر من مجرد فعالية مؤسسية، بل كمنصة فكرية تعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة المعركة الحقيقية: معركة الوعي.

فالقوانين وحدها لا تصنع التغيير، والسياسات دون غطاء ثقافي وديني وإعلامي واعٍ تظل منقوصة الأثر. ومن هنا، يطرح المؤتمر سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تحويل الخطاب الديني والإعلامي من أدوات حيادية أو ملتبسة، إلى قوة ناعمة فاعلة في حماية حقوق المرأة وتعزيز مكانتها داخل المجتمعات الإسلامية؟
من الشرعية الدينية إلى الشرعية المجتمعية
ما ميّز الطرح الذي قُدم في المؤتمر، لا سيما في كلمة المستشارة أمل عمار، هو الانتقال من خطاب الدفاع إلى خطاب التأسيس؛ حيث لم يُطرح تمكين المرأة بوصفه استجابة لضغوط دولية أو مطالب حقوقية وافدة، بل باعتباره ركيزة من ركائز الأمن القومي والاستقرار المجتمعي.
هذا التحول في المنهج يعكس وعيًا بأن الخطاب الديني، حين يكون مستنيرًا، لا يكتفي بتبرير الحقوق، بل يمنحها شرعية قيمية متجذرة في مقاصد الشريعة القائمة على العدل والكرامة الإنسانية. وهو ما يجعل مقاومة العنف والتمييز ليست فقط مسألة قانون، بل مسألة ضمير جمعي.
الإعلام: من ناقل للواقع إلى صانع له
اللافت في النقاشات، خصوصًا خلال محور «دور الإعلام والثقافة والفنون»، هو الاعتراف الصريح بأن الإعلام لا يعكس المجتمع كما هو، بل يعيد تشكيله باستمرار.
فالصور النمطية التي لحقت بالمرأة العربية والمسلمة لم تكن وليدة الواقع وحده، بل نتاج تراكمات إعلامية وثقافية أعادت إنتاج التهميش تحت مسميات اجتماعية أو تقليدية.
من هنا، يصبح الإعلام شريكًا مباشرًا في التمكين أو الإقصاء.
والرهان الحقيقي، كما طرحه المشاركون، هو الانتقال من إعلام رد الفعل إلى إعلام المبادرة:
إعلام يبرز قصص النجاح، ويعيد تعريف أدوار المرأة، ويكسر الثنائية الزائفة بين التمكين والاستقرار الاجتماعي.
تصحيح المفاهيم الدينية: معركة دقيقة لا تحتمل التبسيط
مداخلة الدكتور عباس شومان كشفت أحد أكثر الملفات حساسية، وهو ملف المفاهيم الدينية المغلوطة، وعلى رأسها مفهوم القِوامة.
فالإشكالية لا تكمن في النصوص، بل في تأويلها خارج سياقها المقاصدي، وتحويلها من إطار للرعاية والمسؤولية إلى أداة للهيمنة والإقصاء.
وهنا تتضح أهمية وجود خطاب ديني علمي، رصين، غير شعاراتي، يعيد بناء الفهم العام بعيدًا عن التوظيف الانتقائي للنصوص، ويؤكد أن العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام قائمة على التكامل لا التراتب.
التجارب الوطنية: المغرب نموذجًا
الطرح المغربي، الذي قدمته الوزيرة نعيمة بن يحيى، أضاء على بعد مهم، وهو أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من التكامل بين المؤسسات:
الدين، والتعليم، والإعلام، والتشريع.
فتوظيف واعظات ومفتيات داخل المؤسسات الدينية لا يحمل فقط دلالة رمزية، بل يعكس قناعة بأن المرأة ليست موضوع الخطاب الديني، بل شريكة في صناعته، وهو تحول نوعي في بنية التفكير الديني المؤسسي.
الاستراتيجية الإعلامية الإسلامية: من الرصد إلى التأثير
ما أشار إليه الدكتور عمرو الليثي حول امتلاك منظمة التعاون الإسلامي لاستراتيجية إعلامية منذ 2008، يفتح الباب لسؤال أكبر:
هل انتقل الإعلام الإسلامي من مرحلة الرصد إلى مرحلة التأثير الحقيقي؟
المرحلة القادمة، كما يوحي النقاش، تتطلب إعلامًا عابرًا للحدود، قادرًا على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها، مستفيدًا من المنصات الرقمية والمؤثرين، كما أشارت التجربة الأذربيجانية، لا سيما في ظل التحولات السريعة في أنماط استهلاك المحتوى.
المرأة الفلسطينية: حين يصبح الخطاب مسؤولية أخلاقية
حضور القضية الفلسطينية، وبالتحديد المرأة الفلسطينية، لم يكن إضافة بروتوكولية، بل تأكيدًا على أن الخطاب الإعلامي والديني يُختبر في مناطق الألم قبل مناطق الاستقرار.

المرأة الفلسطينية ليست فقط ضحية نزاع، بل فاعلة في الصمود، وحامية للنسيج الاجتماعي. وهنا تبرز مسؤولية الإعلام في تقديمها كقوة إنسانية ومجتمعية، لا كصورة نمطية تختزلها في المعاناة وحدها.
الخلاصة: معركة الوعي هي المعركة الحاسمة
ما يقدمه هذا المؤتمر، في جوهره، هو إعادة تعريف لمسار تمكين المرأة في العالم الإسلامي:
من مسار تشريعي منفصل، إلى مشروع حضاري متكامل، تتقاطع فيه السياسة بالدين بالإعلام بالثقافة.
فالتمكين الحقيقي لا يُفرض، بل يُقنع.
ولا يستدام بالقانون فقط، بل بالوعي.

وهنا تحديدًا، يصبح استثمار الخطاب الديني والإعلامي ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية المجتمعات قبل حماية المرأة، ولضمان أن يتحول التقدم المؤسسي إلى ثقافة عامة وسلوك يومي راسخ.



