الطفل أولًا… حين يصبح استقرار الأسرة واجبًا وطنيًا

الطفل أولًا… حين يصبح استقرار الأسرة واجبًا وطنيًا

✍️ بقلم د. ياسمين شكري

لم يعد الجدل الدائر حول قوانين الأحوال الشخصية مجرد نقاش قانوني أو فقهي، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على وضع مصلحة الطفل فوق أي اعتبارات أخرى.

إن ترتيب الحضانة القائم ليس نتاج أهواء أو اجتهادات عابرة، بل هو ثمرة تراكم فقهي واجتماعي طويل، أقره الأزهر الشريف، واستند إلى قاعدة إنسانية قبل أن تكون قانونية: الطفل يحتاج إلى من يمنحه الأمان والاحتواء قبل أي شيء آخر. ومن هذا المنطلق، فإن محاولات إعادة ترتيب الحضانة بما ينقلها إلى الأب في مراحل مبكرة، خصوصًا في حال زواجه، تطرح تساؤلات خطيرة حول مصير الأطفال نفسيًا واجتماعيًا.

ما نشير إليه  ليس تخوفًا نظريًا، بل قراءة واقعية لما يحدث على الأرض. فالتجربة العملية، والوقائع القضائية، تثبت أن الأطفال غالبًا ما يدفعون ثمن الصراعات القانونية بين الكبار، سواء بالإهمال أو بالضغط النفسي أو بعدم الاستقرار. ومن هنا يصبح الدفاع عن ترتيب الحضانة الحالي دفاعًا عن حق الطفل في حياة متوازنة، لا عن طرف ضد آخر.
الأكثر خطورة هو الحديث عن الحضانة أو الاستضافة بمعزل عن النفقة والسكن والولاية التعليمية. فكيف يمكن الحديث عن حقوق زيارة أو استضافة في ظل تقاعس واسع عن سداد النفقات أو تحمّل تكاليف التعليم؟ هذا الخلل، كما تؤكد دراسات جمعية نهوض وتنمية المرأة، يحوّل أي تعديل تشريعي غير متوازن إلى عقوبة صريحة للطفل، لا إلى حل للمشكلة.
كما لا يمكن تجاهل قضايا جوهرية مثل الطلاق الشفهي وعدم إخطار الزوجة بالزواج الثاني، وهي ممارسات تنتقص من كرامة المرأة وتُربك البناء الأسري، وتفتح أبوابًا واسعة للنزاعات والضياع القانوني. إن التوثيق والإخطار ليسا تقييدًا للحريات، بل ضمانة للحقوق، وحماية للأسرة من العبث.
أما الاستضافة دون ضوابط صارمة، فهي خطر آخر يلوح في الأفق. فبدل أن تكون وسيلة تواصل إنساني بين الطفل ووالده، قد تتحول إلى أداة ضغط أو باب خلفي لخطف الأطفال أو ابتزاز الأمهات للتنازل عن حقوقهن. وهنا يصبح التحذير واجبًا، لا مبالغة.
إن ما ندعو إليه  هو حوار مجتمعي حقيقي، تشارك فيه المؤسسات التشريعية والدينية والقضائية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، لوضع تشريع عادل ومتوازن، تكون المصلحة الفضلى للطفل هي بوصلته الوحيدة.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد قوانين تُرضي أطراف النزاع، أم تشريعات تحمي مستقبل الأطفال؟
الإجابة، كما أراها، واضحة: الطفل أولًا… دائمًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى