كنز من أعماق البلطيق.. العثور على أضخم سفينة من العصور الوسطى| إيه الحكاية

كتبت سوزان مرمر

في اكتشاف أثري بحري وصف بأنه من الأهم خلال العقود الأخيرة، أعلن علماء آثار بحريون في الدنمارك عن العثور على حطام أكبر سفينة تجارية معروفة من طراز «كوغ» تعود إلى العصور الوسطى، بعد أن ظلت مفقودة تحت المياه لنحو 600 عام.

اكتشاف استثنائي في ممر مائي تاريخي

عثر على السفينة الغارقة في مضيق «ذا ساوند» الفاصل بين الدنمارك والسويد، أحد أكثر الممرات المائية ازدحاما في أوروبا منذ قرون، حيث كان يشكل شريان رئيسي للتجارة بين بحر البلطيق وبحر الشمال، ومنه إلى المحيط الأطلسي.

 

وجاء الاكتشاف على يد فريق من متحف سفن الفايكنغ قرب العاصمة كوبنهاغن، أثناء أعمال مسح وتنقيب في قاع المضيق، في مهمة بحثية كانت تهدف أساسا إلى توثيق بقايا ملاحية قديمة، قبل أن تقود إلى هذا الإنجاز اللافت، وفقًا لموقع iflscience.

 

أكبر سفينة «كوغ» معروفة حتى اليوم

وبعد إزالة كميات ضخمة من الرمل والطمي المتراكم عبر القرون، تبين للباحثين أنهم أمام أكبر سفينة «كوغ» مكتشفة حتى الآن، وهي فئة من السفن التجارية لعبت دورا محوريا في ازدهار التجارة الأوروبية خلال العصور الوسطى.

 

ويبلغ طول السفينة، التي أُطلق عليها اسم Svæglet 2، نحو 28 مترا، وعرضها 9 أمتار، وارتفاعها 6 أمتار، وكانت قادرة على نقل ما يصل إلى 300 طن من البضائع، ما يجعلها بمثابة «ناقلة عملاقة» بمقاييس القرن الخامس عشر.

 

وأظهرت تحاليل حلقات الأشجار في الأخشاب المستخدمة بهيكلها أن تاريخ بنائها يعود إلى نحو عام 1410 ميلادي.

 

أخشاب من أنحاء أوروبا تعكس شبكات تجارة واسعة

وكشفت الدراسات أن السفينة شيدت من أخشاب جاءت من مناطق مختلفة في شمال أوروبا، في دلالة واضحة على اتساع شبكات التجارة آنذاك وتوافر الموارد عبر الحدود.

 

فقد صُنعت ألواح الهيكل الخارجي من خشب البلوط القادم من منطقة بوميرانيا في بولندا الحالية، بينما استُخدمت أخشاب من هولندا في بناء الأضلاع الداخلية، وهو ما يبرز درجة عالية من التنظيم الصناعي والتجاري في ذلك العصر.

 

محطة مفصلية في تاريخ الملاحة الأوروبية

وقال أوتو أولدوم، عالم الآثار البحرية وقائد فريق التنقيب، إن هذا الاكتشاف يمثل «محطة مفصلية في تاريخ الملاحة الأوروبية»، موضحا أن سفن الكوغ أحدثت ثورة حقيقية في النقل البحري خلال القرن الخامس عشر.

 

وأضاف أن هذا الطراز من السفن أسهم بشكل مباشر في الازدهار الاقتصادي لشمال أوروبا، من خلال تمكين نقل البضائع بكميات غير مسبوقة، وربط الموانئ التجارية الكبرى بشبكات تبادل واسعة النطاق.

 

الرمال تحمي الحطام وتكشف أسرارا نادرة

وساعدت طبقات الرمل والطمي التي غطت الحطام لقرون طويلة على حمايته من التآكل، ما أدى إلى حفظ أجزاء كبيرة من السفينة في حالة استثنائية ونادرة.

 

وبفضل هذا الحفظ الطبيعي، تمكن الباحثون لأول مرة من توثيق بقايا ما يُعرف بـ«القلاع العالية»، وهي هياكل علوية كانت تميز سفن الكوغ، وعرفت سابقا فقط من خلال الرسومات التاريخية دون العثور على أدلة مادية مباشرة لها.

 

متعلقات الطاقم ترسم صورة للحياة على متن السفينة

ورغم عدم العثور على أي أثر للحمولة التجارية، يرجح العلماء أن البضائع جرفتها المياه أثناء الغرق، نظرا لأن عنبر الشحن كان مكشوفا.

 

في المقابل، كُشف عن متعلقات شخصية لأفراد الطاقم، إضافة إلى أدوات مطبخ وبقايا طعام، وهي مكتشفات تمنح الباحثين نافذة نادرة على مستوى المعيشة والتنظيم اليومي على متن سفن التجارة في العصور الوسطى.

 

نافذة جديدة على تاريخ التكنولوجيا والمجتمع

ويؤكد علماء الآثار أن هذا الاكتشاف لا يضيف فقط فصلا جديدا إلى تاريخ الملاحة، بل يعزز أيضًا فهم تطور التكنولوجيا البحرية والمجتمع الأوروبي في حقبة كانت فيها السفن العمود الفقري للتجارة الدولية، ومحركا رئيسيا للتواصل الاقتصادي والثقافي بين الشعوب.

 

وبينما تستمر أعمال التوثيق والدراسة، يترقب الباحثون ما قد تكشفه Svæglet 2 من أسرار إضافية عن عالم الملاحة والتجارة قبل ستة قرون.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى