“قيمة الوقت في حياة الإنسان”.. موضوع خطبة الجمعة اليوم 2 يناير 2026

كتبت سوزان مرمر
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم، 2 يناير 2026 الموافق 13 رجب 1447، بعنوان: “قيمة الوقت في حياة الإنسان”.
وأكدت وزارة الأوقاف على جميع الأئمة الالتزام بموضوع خطبة الجمعة نصًا أو مضمونًا على أقل تقدير، وألا يزيد أداء الخطبة على خمس عشرة دقيقة للخطبتين الأولى والثانية.
نص خطبة الجمعة اليوم 2 يناير 2026
قيمة الوقت في حياة الإنسان
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من نطق بها فهو سعيد، سبحانه هدى العقول ببدائع حكمه، ووسع الخلائق بجلائل نعمه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، شرح صدره، ورفع قدره، وشرفنا به، وجعلنا أمته، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فإن الوقت في الإسلام هو جوهر الوجود، ومستودع الأنفاس، والأمانة العظمى التي أقسم الحق سبحانه بها في كتابه العزيزتعظيما لشأنها، فاستفتح بعض السور بقوله جل شأنه: ﴿والعصر﴾، و﴿والليل إذا يغشى﴾، و﴿والفجر﴾، و﴿والضحى﴾.
والعاقل الفطن هو الذي يعلم أن كل لحظة تمر عليه هي وعاء للعمل، وميدان للقرب من الله سبحانه، ثم يجيء البيان النبوي من مشكاة الجناب المعظم ﷺ ليرسخ قيمة الوقت في النفوس بقوله: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، فالفراغ أمانة يسأل عنها العبد يوم القيامة حين يقف بين يدي ربه ليقدم كشف حساب عن هذه المنحة التي استودعه الله إياها، إذ يقول ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه».
وقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم روح الأدب مع الزمن، فكان سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول بلسان العارف المشفق: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي”، وهذا الندم يمثل يقظة للقلب، واستشعارًا لخطورة التفريط في الوقت، فالمسلم الحق يجعل زمانه تزكية للنفس، وعمارة للأرض، وبناء للأوطان؛ ليكون الوقت شاهدًا له لا عليه، ولله در القائل:
مضى أمسك الماضي شهيدًا معدلًا… وأعقبه يوم عليك جديد
فـإن كنـت بالأمس اقترفت إساءة … فثن بإحسان وأنت حميد
أيها المكرم، ألم يقع بصرك على صفحات من صبر العلماء على شدة الطلب ومشقة التحصيل نتاج ثباتهم على حفظ أنفاسهم من الضياع؟ ألم يطرق سمعك خبر هؤلاء الأئمة الذين ما غادرت الأقلام أكفهم استنزالًا للبركة في أزمانهم، واستثمارًا لكل لحظة في أعمارهم؟ إن الناظر في تاريخ هذه الأمة يطالع أنباء أعجب من الخيال في صون الأنفاس واغتنام الأوقات، فهذا الإمام ابن عقيل الحنبلي يفضل سف الكعك على الخبز توفيرًا لوقت المضغ الذي يسطر فيه العلوم والفنون، والإمام ابن جرير الطبري يمسك بالقلم في سكرات موته ليدون فائدة علمية، بينما كان الإمام الفخر الرازي يتأسف على فوات وقت العلم حال انشغاله بالطعام، فبهذا التعظيم لقيمة الوقت بنيت صروح المعارف، وصار كل نفس من أنفاسهم سبيكة من نور في ميزان الأمة، مصداقا لقوله تعالى: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾.
أيها النبلاء، إن للوقت في شريعتنا الغراء حرمة مصونة، وأمانة مودعة في أعناقنا، ومن هنا وجب الحذر من القواطع التي تذهب بركة الوقت، فداء التسويف يمثل استنزافًا حقيقيًا للروح، واستدعاء للكسل الذي يطفئ في النفس شعلة الهمة، وحينها يتحول إلى جسد خاو ألف الغفلة فصارت له طبعًا، ثم يزداد الأمر خطورة بما نكابده اليوم من سوء استخدام للأدوات الرقمية، الذي قد يضيع الوقت ويبعد الإنسان عن التركيز على صناعة الحضارة، فيا فوز من استنقذ أنفاسه من بين مخالب هذه القواطع، وجعل من كل لحظة معراجًا يترقى به في مدارج العلم والعمل، مستصحبًا قول الإمام الحسن البصري: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك”.
أيها الكرام، إن من صور استثمار الوقت التي يدعونا إليها الإسلام أن نجعل العمر ميدانًا للطاعات فنستغل الشباب في العلم، والقوة في العمل، والفراغ في الذكر، والصحة في البر، والليل في القيام، والنهار في السعي، فالموفق من حول ساعاته إلى قربات، وأيامه إلى انجازات، ولم يجعل وقته سائبًا بين لغو وغفلة، فالوقت إذا ضاع لم يعد أبدًا، وإن العاقل من وقف مع نفسه وقفة محاسبة قبل فوات الأوان، مستصحبًا قول الجناب المعظم ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
*******
الخطبـــة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وبعد..
فالغش في الامتحانات، صدع عميق في جدار الأخلاق، ينسف مبادئ العدالة، ويجهض قيم تكافؤ الفرص، فهو خروج عن دائرة الجمال الإنساني، واستبدال لجوهر الكرامة الإنسانية بزيف الحيلة، واستنزاف لطاقات الأمة، وإضرار بالاقتصاد والتنمية، وانتشار للفساد في مفاصل المجتمع، فمن تهاون في حق ورقة الامتحان اليوم، يخشى عليه أن يخون أمانة الوطن غدا، فالنزاهة في طلب العلم هي مرآة الكرامة الشخصية، وبدونها يصبح المستقبل هيكلًا بلا روح، ونجاحًا بلا بركة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾.
أيها الآباء، وأيتها الأمهات، وياحراس الوعي من المعلمين والمربين، اغرسوا في نفوس أبنائكم الثقة بالذات، وابنوا في وجدانهم قيمة الأمانة العلمية، فلا يبنى مستقبل وطننا بالأماني الكاذبة، ولكن بالعزائم الصادقة، فعلموهم كيف يدار الوقت، وخذوا بأيديهم من عشوائية التحصيل إلى رحاب المذاكرة الذكية، التي تفتح مغاليق الفهم، وتثمر الطمأنينة في القلب، فالمذاكرة في حقيقتها هي عبادة يتعبد بها المرء لربه، واستثمار لنفائس العمر في بناء الذات، فقولوا لكل ابن من أبنائكم: اجعل من نزاهتك عنوانًا لشهامتك، واربط كرامتك بجهدك الذاتي، فالمؤمن يأنف أن يرتدي ثوب زور، أو يقتنص حقا لغيره، والسعيد من جعل علمه زكاة لروحه، وبنى مستقبله على صخرة الحق والصدق، متجنبًا الوقوع في تحذير الجناب المعظم ﷺ في قوله: «من غشنا فليس منا».
اللهم احفظ بلادنا من كل مكروه وسوء، واجعلها في أمانك وضمانك.



