العربي يرفض النقد الذاتي

كتبت د ليلي الهمامي
استاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن
في بحث الشخصية العربية وبحث الاحداث التي عشناها في العالم العربي منذ خمسينات القرن الماضي وانا تصفح بعض الصحف وبعض الملاحظات والتدوينات التي كنت كتبتها منذ سنوات، حول التجارب الناصرية والتجارب البعثية، بين سوريا والعراق ومشاريع الوحدة، التي لم تنتهي الا الى كوارث… ومشاريع التحديث ايضا بين تونس وبين المغرب، في هذا البحث وجدت ان الشخصية العربيه بصفه عامة، شخصية مريضة. اقول بانها مريضة وأيعني انها عرجاء… شخصية بقدر ما تذعن بالهزيمه للاجانب وللمستعمر القديم الجديد منه، بقدر ما تبالغ في اعتدادها بذاتها بطريقة تترجم حالة من النرجسية المرضية العمياء، وبالذات تلك النرجسية التي تدفع الى الانانية المفرطة والامحدودة، والتي تعود الى المجال المرضي الباتولوجي.
ليس لدينا نحن كعرب بصفة عامة تقاليد الاعتراف الذاتي بالخطأ اميياكولبا… كما يقال بالايطاليه… أن اعترف باخطائي، يعني ان اعترف بان لدي خيارات او أني اتخذت قرارات فاشلة لم تفضي الى نتيجة… سياسات شبه اشتراكية مطبوعة ومصحوبة باستبداد سياسي قادت الى كوارث اقتصادية وكوارث اجتماعية وكوارث انسانية وأزمات حادة، في علاقه بملف حقوق الانسان. ومع ذلك نكابر، ومع ذلك نتجاوز باسم الواقعية او باسم المراجعه دون نقد ذاتي… دون اعتراف باننا ارتكبنا اخطاء… نمر مرور الكرام على تلك الماسي التي نخلفها.
ليس لدينا تقليد في الاعتراف بالخطاء. وهذا امر يمكن ان نرجعه الى البيئة. المجتمع العربي لا يحترم ثقافيا من يعترف بخطئه، او من يعترف بذنبه. الاعتراف بالخطا او بالذنب هو بمثابة الاعتراف بهزيمة أو بعجز او بخطيئة غير قابلة للتكفير. الحالة الوحيدة وهي حالة نادرة يمكن ان تناقش هي استقالة واعلان الراحل جمال عبد الناصر لاستقالته بعد هزيمه ٦٧… النكسة كانت موجعه الى حد ان جمال عبد الناصر اضطر الى التوجه الى الشعب المصري واعلان الاستقالة. والكل يعلم تلك الموجة والهبة الشعبية التي دفعته الى التراجع. تقريبا هي الحالة الوحيدة النادرة التي وجدنا فيها زعيما عربيا يعترف ويتحمل المسؤولية بشجاعة بصفة تلقائية. عدا ذلك في مصر او في تونس أو المغرب أو الاردن هنالك دائما تضحية بالوزير الاول. تحت الراحل الحبيب بورقيبة، كان هنالك اسلوب كبش الفداء او منهاج كبش الفداء، وفي المغرب نفس الشيء…
إذا كان هنالك هزه اجتماعيه اذا كانت هنالك ازمة سياسية يتم آليا التضحية بالوزير الاول. الوزير الاول يتحمل المسؤولية وبالتالي يخرج الزعيم او الملك وكانه لم يشارك في شيء وكأنه كان في غيبوبة، وكأنه كان في عالم اخر، ولا يتحمل ايه مسؤولية في كل ما حصل، حتى وان كانت كوارث وصدامات وقتلى وممتلكات احرقت واتلفت في الازمات الاجتماعية الكبرى في الاردن، في تونس في المغرب، في مصر… أينما كان هنالك هزات اجتماعية، انتفاضات شعبية، ووجهت بالقمع، ووجهت بالرصاص، وفي اخر الامر، النتيجه ان هنالك من يتحمل المسؤولية او “يشيل” المسؤولية، والقيادات تخرج، على العكس، منتصرة من تلك المحن وتلك الامتحانات.
ما اأردت ان اؤكده في هذا السياق هو مفهوم النقد الذاتي… النقد الذاتي هو شكل من اشكال التقييم، ليس جلدا للذات وانما هو تقييم على مسافة، تقييم للذات للمنجَز، تقييم للأخطاء على مسافه بعقل بارد من أجل التقدم. أكيد ان اي انسان لا يميل الى التجريح في ذاته والتشكيك في اعماله او مواقفه، لكن النقد لا محالة يمثل خطوة شجاعة واجراء لا يخلو من بطولة. أن تتقدم في العلن بأخطائك، أن تقدم وتعرض اخطاءك للعلن، للجمهور المتابع، للشعب،،، هذا فيه بطولة لا محالة.
لكن ايضا البيئه لا تساعد على ذلك لان البيئة تحبذ من يمارس الكذب والزيف. البيئة، الشعب، المجتمع المشرقي بصفه عامة، والعربي، يعتبر أن من يعترف بالذنب هو بالفعل لا يستحق القيادة. العربي يحبذ من يكذب، ومن يجمّل الواقع، يحبذ من يقول انني لم أخطئ، ولن أخطئ، وإنني فوق كل النسبيات، وفوق كل شيء منقوص، او غير مكتمل… هنالك تحبيذ للكذب، وادمان على الكذب، وادمان على السفسطة، وادمان على استهلاك المغالطات… شعوب تحبذ المغالطات، تحبذ الزيف، تحبذ الكذب، مدمنة على كل هذا…… الحل يبدأ من الوعي بهذا ..
د. ليلى الهمامي.



