ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ رغم أنف الجميع

بقلم: ناصر السلاموني
طغى على سطح الميديا في هذه الأيام بعض الأشخاص عفنة الأفكار والقلوب، عقولهم مسيّرة وموجّهة، فهم عبيد للأموال والمناصب، يفعلون ما يؤمرون، ولكن سينتهي نباحهم بخيبتهم وانكشافهم. إنهم يحاولون منع الأذان ومحاربة الإسلام، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، يصدح الأذان من مآذن المساجد، معلنًا دخول وقت الصلاة، وداعيًا المسلمين إلى الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى. ولم يكن الأذان يومًا مجرد صوت يُسمع، بل هو شعيرة من شعائر الإسلام، وإعلان يومي بالتوحيد والشهادة برسالة النبي محمد ﷺ.
يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، وقد ذكر المفسرون أن من صور رفع ذكر النبي ﷺ أن اسمه يُذكر مقرونًا باسم الله في الأذان والإقامة والتشهد والخطب وغيرها. فالمؤذن عندما يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله»، فإنه يعلن عقيدة الإسلام على مسامع الناس، ويتكرر هذا النداء خمس مرات في اليوم والليلة في كل مسجد تُقام فيه الصلوات.
والأذان يتميز بجمال كلماته وإيقاعه وطلاوة صوته، ولذلك كان حسن الصوت من الصفات المرغوبة في المؤذن. وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن زيد رضي الله عنه، صاحب رؤيا الأذان: «فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به؛ فإنه أندى صوتًا منك».
وهكذا أصبح الأذان عبر القرون واحدًا من أشهر الأصوات الدينية على وجه الأرض؛ فحين ينتهي الأذان في بلد، يبدأ في بلد آخر، ومع اختلاف التوقيت بين القارات والمناطق، يظل نداء الصلاة متواصلًا من المشرق إلى المغرب. وهنا تكمن عظمة هذه الشعيرة؛ فاسم الله تعالى واسم نبيه محمد ﷺ يترددان على مسامع البشر في أنحاء الأرض على مدار اليوم.
ومن الخطأ اختزال الأذان في مسألة ارتفاع الصوت أو انخفاضه. وتحويله إلى مشكلة، أو وصفه بألفاظ مهينة، أو التعامل معه باعتباره شيئًا يجب القضاء عليه، فهذه مسألة مختلفة تمامًا.
فالأذان نداء إلى الصلاة والفلاح، وليس دعوة إلى الكراهية أو العنف. والسؤال البسيط هنا: هل المشكلة ارتفاع الصوت؟ إن كانت الإجابة نعم، فلماذا لا تُطبَّق قواعد الضوضاء على الجميع؟
فهل صوت الأغاني المرتفع في الأفراح والنوادي والمقاهي والكافيهات ووسائل المواصلات لا يزعج المرضى وكبار السن وراغبي الراحة؟ وهل الأصوات المرتفعة في المناسبات والحفلات لا تصل إلى البيوت؟ فإذا كان المعيار هو الضوضاء، فليكن معيارًا عادلًا يُطبَّق على الجميع.
وفي إسرائيل، تجاوز الجدل في بعض الأحيان مسألة الضوضاء إلى محاولات تشريعية وسياسية لتقييد مكبرات صوت المساجد. وقد ارتبط ذلك بشكل خاص بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي سبق أن طالب بتقييد استخدام مكبرات الصوت في المساجد، بحجة إزعاج السكان، كما دُفعت مشاريع قوانين في الكنيست بهذا الاتجاه.
والأمر يصبح أكثر إثارة للتساؤل عندما تترافق هذه المواقف مع ممارسات تمس الرموز الإسلامية نفسها. فقد تداولت مصادر إعلامية فلسطينية مشاهد لجنود الاحتلال وهم يرفعون العلم الإسرائيلي فوق مئذنة مسجد في مخيم نور شمس شرق طولكرم، وهو مشهد يحمل دلالة رمزية وسياسية تتجاوز بكثير مسألة الصوت. فالمئذنة التي اعتاد الناس أن يسمعوا منها «الله أكبر» تحولت إلى موضع يُرفع فوقه علم الاحتلال.
كما تداولت وسائل الإعلام تصريحات وزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريغيف، وصفت فيها الأذان بعبارات مهينة، من بينها تشبيهه بـ«نباح الكلاب». ومثل هذه العبارات لا علاقة لها بتنظيم الضوضاء، وإنما تمثل إساءة إلى شعيرة دينية وإلى مشاعر ملايين المسلمين.
والمؤسف أن بعض الأصوات الجاهلة بدأت تنظر إلى الأذان باعتباره مصدر إزعاج للسائح، أو تطالب بمنعه في بعض المدن السياحية، كما تظهر أحيانًا مطالب داخل بعض التجمعات السكنية الخاصة من بعض محدثي النعمة بتقليل الأذان أو منعه بحجة الإزعاج. وكأن المطلوب أن تتخلى المدن الإسلامية عن جزء من هويتها لإرضاء البعض.
ومن المفارقات في الوقت نفسه أن الأذان استطاع أن يجد طريقه إلى مدن خارج العالم الإسلامي، وأصبح حاضرًا في بعض المجتمعات الغربية ضمن الأطر القانونية المحلية، حيث سُمح في بعض المدن برفع الأذان عبر مكبرات الصوت وفق ضوابط تتعلق بالأوقات ومستويات الصوت.
والأعجب أن نسمع بعض مسيحيي المهجر المحتمين بأمريكا يدعون إلى منع الأذان في مصر، بينما نرى مسيحيي مصر المخلصين يحبون الأذان ويستمتعون بسماعه، بل ويعجبون بمن يخرج في البرد الشديد لصلاة الفجر. فمصر، منذ قرون، تستيقظ على أصوات الأذان وأجراس الكنائس، معلنةً عمق الإيمان والمحبة، ولم يعترض أهلها على الأذان وأجراس الكنائس، ولكن الخونة نسوا أن مصر جسد واحد، مسلم ومسيحي، لا تستطيع أن تفرّق بينهم.
فالأذان ليس نباحًا، وليس ضوضاء بلا معنى، وليس صوتًا غريبًا عن المدن الإسلامية، بل هو شعيرة باقية ما بقيت المساجد عامرة والمصلون قائمين. وسيظل صداه يتردد في أنحاء الأرض، رغم أنف كل كافر ومنافق وحاقد.
إن المعترض على الأذان لا نملك إلا أن نقول له: سيبقى الأذان مرفوعًا، وسيبقى اسم الله تعالى واسم نبيه محمد ﷺ يترددان في أرجاء الأرض.
الله أكبر… الله أكبر.
أشهد أن لا إله إلا الله.
أشهد أن محمدًا رسول الله.
حي على الصلاة… حي على الفلاح.
ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى