من المتحف المصري الكبير إلى جامعة القاهرة.. مصر والقوة الناعمة في زمن الأزمات الدولية

 

إعداد الباحثة السياسية/ سلفانا عزت كيرلس عطية

 

لم تكن زيارة أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى مصر في 26 أكتوبر 2026 مجرد محطة بروتوكولية في جولاته الرسمية، بل أتاحت قراءة أوسع لأبعاد الحضور المصري في المشهد الدولي، من خلال تداخل المسارات السياسية والثقافية والأكاديمية في برنامج الزيارة. فبين اللقاءات السياسية، وزيارة المتحف المصري الكبير، والحضور في جامعة القاهرة، برزت صورة متعددة الأبعاد للدولة المصرية، تجمع بين التحرك الدبلوماسي والرصيد الحضاري ودور المؤسسات العلمية في تعزيز الحوار بين الشعوب.

 

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لكونها جاءت في المرحلة الأخيرة من ولاية جوتيريش، الذي تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة في يناير 2017، واقترب من مغادرة منصبه بنهاية عام 2026. ومن ثم، فإن تعدد محطات الزيارة يتيح قراءة طبيعة العلاقات بين مصر والمنظمة الدولية، فضلًا عن مناقشة دور الدبلوماسية متعددة الأطراف في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية المتشابكة.

 

الدبلوماسية المصرية.. ما وراء اللقاءات الرسمية

 

يمثل لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بالأمين العام للأمم المتحدة أحد المحاور السياسية الأساسية للزيارة، في ظل تعدد الملفات الإقليمية المطروحة على أجندة المجتمع الدولي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، فضلًا عن الأزمات في السودان وليبيا والقرن الأفريقي والتوترات في منطقة الخليج.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحرك الدبلوماسي المصري من خلال السعي إلى تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ودعم العمل متعدد الأطراف، وتعزيز دور المؤسسات الدولية في التعامل مع الأزمات. كما يسلط اللقاء الضوء على أهمية التنسيق بين الدول والمنظمات الدولية في القضايا التي تتجاوز آثارها الحدود الوطنية، سواء ارتبطت بالأمن الإقليمي أو الأوضاع الإنسانية أو استقرار الممرات الملاحية.

 

غير أن تقييم فاعلية التحركات الدبلوماسية لا يتوقف عند مستوى اللقاءات أو التصريحات، بل يرتبط بمدى قدرتها على الإسهام في نتائج عملية، مثل دعم وقف إطلاق النار، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لإستئناف المسارات السياسية. ومن هنا، تظل قيمة الدبلوماسية مرتبطة بقدرتها على تحويل الحوار إلى خطوات قابلة للتنفيذ، وبمدى استجابة الأطراف المعنية للمبادرات والجهود المطروحة.

 

المتحف المصري الكبير.. الحضارة بوصفها مصدرًا للقوة الناعمة

 

حملت زيارة جوتيريش للمتحف المصري الكبير دلالة تتجاوز الإعجاب بالمقتنيات الأثرية أو التصميم المعماري للمتحف؛ إذ أتاحت إبراز الحضارة المصرية باعتبارها أحد أهم مكونات الهوية الوطنية ومصدرًا من مصادر الحضور الثقافي لمصر على المستوى الدولي.

 

وقد أبدى الأمين العام للأمم المتحدة إعجابه بمحتويات المتحف، مشيرًا إلى أن تأثير الحضارة المصرية لم يقتصر على حدودها الجغرافية، بل امتد إلى مناطق أخرى من العالم. كما شملت جولته عددًا من أبرز أقسام المتحف، من بينها قاعات الملك توت عنخ آمون ومتحف مراكب الملك خوفو.

 

وتتصل هذه الزيارة بمفهوم «القوة الناعمة»، الذي يشير إلى قدرة الدولة على تعزيز جاذبيتها وتأثيرها من خلال الثقافة والتراث والقيم والمعرفة، إلى جانب أدواتها السياسية والإقتصادية. فالحضارة المصرية ليست مجرد سجل تاريخي للماضي، وإنما رصيد ثقافي يمكن توظيفه في تعزيز التبادل الثقافي، وتنشيط السياحة، وتوسيع مساحات التواصل مع المجتمعات والمؤسسات الدولية.

 

لكن تحويل هذا الرصيد الحضاري إلى قوة ناعمة مستدامة يتطلب أكثر من إبراز الآثار أمام الزائرين؛ فهو يستلزم تطوير البرامج الثقافية والتعليمية، وتعزيز التعاون مع المتاحف والمؤسسات العلمية العالمية، والإستثمار في البحث الأثري، وتقديم التراث المصري للأجيال الجديدة بلغات ووسائل حديثة. وبهذا المعنى، تصبح الثقافة جزءًا من استراتيجية الحضور الدولي، لا مجرد عنصر احتفائي مصاحب للزيارات الرسمية.

 

جامعة القاهرة.. حين يلتقي التعليم بالدبلوماسية

 

إذا كانت زيارة المتحف المصري الكبير قد أبرزت البعد الحضاري، فإن زيارة جامعة القاهرة عكست أهمية البعد الأكاديمي والمعرفي في العلاقات الدولية. فقد رحبت الجامعة بالأمين العام للأمم المتحدة، مؤكدة عمق علاقاتها بالمنظمة الدولية ووكالاتها المتخصصة، ودور المؤسسات الأكاديمية في دعم السلام والحوار والتفاهم بين الشعوب.

 

وتكتسب الزيارة رمزية خاصة لأنها جاءت بعد زيارة جوتيريش للجامعة في فبراير 2017، مع بداية توليه منصب الأمين العام، بما أتاح استعادة الصلة بين محطتين زمنيتين في مسيرته على رأس المنظمة الدولية. كما أكدت الجامعة إسهاماتها العلمية والبحثية والمجتمعية في دعم أهداف التنمية المستدامة، ونشر ثقافة السلام، وتعزيز قيم المواطنة والتسامح والتنوع.

 

وتتجاوز أهمية هذا المسار الجانب الرمزي؛ فالجامعات تمثل مساحات لتبادل الأفكار ومناقشة التحديات الدولية، كما تتيح للشباب فرصة التواصل مع الخبرات الدبلوماسية والفكرية، وفهم القضايا العالمية من منظور علمي وإنساني. وفي عالم تتزايد فيه تعقيدات النزاعات وتتداخل فيه الأبعاد السياسية والإقتصادية والتكنولوجية، تصبح المعرفة عنصرًا أساسيًا في بناء القدرة على التحليل وصياغة الحلول.

 

ومن هنا، يمكن النظر إلى الدبلوماسية الأكاديمية باعتبارها مسارًا مكملًا للدبلوماسية الرسمية، من خلال بناء شبكات تعاون بحثي، وتنظيم حوارات دولية، وتبادل الخبرات، وإشراك الباحثين والشباب في مناقشة قضايا السلام والتنمية. وتزداد أهمية هذا الدور عندما تتحول الزيارات واللقاءات إلى برامج تعاون مستمرة، تتجاوز حدود المناسبة وتنشئ قنوات مؤسسية طويلة الأجل.

 

تعدد المسارات.. فرصة لبناء حضور دولي متكامل

 

تكشف قراءة محطات الزيارة الثلاث عن تمايز في الوظائف وتكامل محتمل في الأدوار: فاللقاء السياسي يتيح مناقشة الملفات الإقليمية والدولية، والمتحف المصري الكبير يبرز الرصيد الحضاري والثقافي، بينما تفتح الجامعة المجال أمام الحوار العلمي والمعرفي. وهذه المسارات لا يحل أحدها محل الآخر، بل يمكن أن تتكامل في تشكيل صورة الدولة وتعزيز علاقاتها الخارجية.

 

ومن منظور استراتيجي، لا تقاس قوة الحضور الدولي بعدد الزيارات أو حجم التغطية الإعلامية وحدهما، وإنما بمدى القدرة على بناء علاقات مؤسسية، واستثمار فرص التعاون، وتقديم مبادرات قابلة للإستمرار. فالقوة الناعمة تزداد فاعلية عندما ترتبط بسياسات واضحة، وبرامج ثقافية وتعليمية مستدامة، وشراكات تتيح تبادل المصالح والخبرات.

 

كما أن التحديات التي تواجه النظام الدولي تفرض أهمية الحفاظ على قنوات الحوار والتواصل، خاصة في ظل تعدد النزاعات والأزمات الإنسانية. وفي هذا الإطار، يظل العمل متعدد الأطراف أحد الأطر المتاحة للتنسيق الدولي، رغم ما يواجهه من تحديات تتعلق بفاعلية المؤسسات الدولية وقدرتها على الإستجابة للأزمات وتحقيق التوافق بين الدول.

 

من رمزية الزيارة إلى استدامة النتائج

 

تطرح زيارة جوتيريش سؤالًا مهمًا حول كيفية تحويل الرصيد الدبلوماسي والثقافي والأكاديمي إلى نتائج ملموسة. ويمكن في هذا السياق طرح عدد من المسارات التي تستحق الإهتمام، من بينها تعزيز الشراكات بين الجامعات المصرية ووكالات الأمم المتحدة، وتوسيع برامج البحث والتبادل العلمي، ودعم المبادرات المعنية بالتنمية المستدامة وحوار الثقافات، إلى جانب تطوير أدوات التعريف بالحضارة المصرية على المستوى الدولي.

 

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تظل الأولوية لربط الحوار السياسي بجهود عملية تسهم في تخفيف الأزمات الإنسانية، ودعم التسويات السلمية، وتعزيز احترام القانون الدولي. أما على الصعيد الثقافي، فإن الإستدامة تتطلب الإستثمار في حماية التراث وإتاحته، وربط المؤسسات الثقافية والتعليمية بأجندة التعاون الدولي، بما يتيح توسيع أثرها خارج الحدود الوطنية.

 

ولا تعني هذه المسارات أن زيارة واحدة يمكن أن تحقق تلك الأهداف بمفردها، بل إنها تتيح فرصة لتسليط الضوء على إمكانات التعاون المتاحة، وتحديد المجالات التي يمكن البناء عليها من خلال خطط ومبادرات مؤسسية واضحة.

 

خاتمة

 

تؤكد زيارة أنطونيو جوتيريش إلى مصر أن العلاقات الدولية لا تتحرك عبر القنوات السياسية وحدها، بل تتشكل أيضًا من خلال الثقافة والمعرفة والحوار المؤسسي. فبين المتحف المصري الكبير، الذي يقدم جانبًا من الإرث الحضاري المصري، وجامعة القاهرة، التي تمثل مساحة للعلم والفكر والتفاعل مع القضايا العالمية، تتجلى أبعاد متعددة للحضور المصري في المجال الدولي.

 

وتبقى القيمة الإستراتيجية لهذه الزيارة مرتبطة بما يمكن أن تفتحه من فرص للتعاون المستدام، سواء في المجال الدبلوماسي أو الثقافي أو الأكاديمي. فالحضارة تمنح الدولة رصيدًا من الجاذبية، والمعرفة توفر أدوات لفهم العالم والتفاعل معه، والدبلوماسية تتيح قنوات للتفاوض وبناء التفاهمات؛ غير أن الأثر الحقيقي لهذه العناصر يتوقف على حسن توظيفها وتحويلها إلى مبادرات عملية.

 

وفي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى الحوار والتعاون، تبرز أهمية الجمع بين الرصيد الحضاري والعمل المؤسسي والتحرك الدبلوماسي، بما يدعم فرص السلام والتنمية، ويعزز التواصل بين الشعوب، ويجعل من الثقافة والمعرفة شريكين أساسيين في بناء علاقات دولية أكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى