«منتدى القاهرة 2026» يستشرف مستقبل الاقتصاد العالمي.. كجوك يدعو لتغيير نموذج النمو المصري وعمرو موسى يحذر من مخاطر اضطراب النظام الدولي

«منتدى القاهرة 2026» يستشرف مستقبل الاقتصاد العالمي.. كجوك يدعو لتغيير نموذج النمو المصري وعمرو موسى يحذر من مخاطر اضطراب النظام الدولي

كتب_ طه المكاوي

بمشاركة مسؤولين وخبراء دوليين.. مناقشات موسعة حول التجارة والطاقة والذكاء الاصطناعي وإصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز دور دول الجنوب العالمي

في توقيت يشهد فيه العالم تحولات اقتصادية وجيوسياسية غير مسبوقة، انطلقت صباح الأحد فعاليات الدورة الثالثة من منتدى القاهرة «Cairo Forum 2026»، الذي ينظمه المركز المصري للدراسات الاقتصادية على مدار يومين، تحت عنوان «استكشاف أعماق التحول العالمي.. من قمة جبل الجليد إلى الأعماق»، بمشاركة رفيعة المستوى من المسؤولين والخبراء وصناع القرار والمفكرين الدوليين، لمناقشة مستقبل الاقتصاد العالمي في ضوء المتغيرات المتلاحقة، واستكشاف تداعياتها على التجارة والاستثمار والطاقة وسلاسل الإمداد والتنمية.

وجاءت الجلسة الافتتاحية حافلة برؤى سياسية واقتصادية حول طبيعة المرحلة الراهنة، وما تفرضه من تحديات أمام الحكومات والمؤسسات الاقتصادية، خاصة مع تصاعد النزعات الحمائية، وتغير خريطة التجارة الدولية، وارتفاع تكاليف التمويل، والتوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنامي أهمية دول الجنوب العالمي في صياغة التوازنات الاقتصادية والسياسية الجديدة.

وشهدت الجلسة مشاركة أحمد كجوك وزير المالية، وستيفان روينهوف وزير الدولة البرلماني لوزارة الشؤون الاقتصادية والطاقة في ألمانيا، وعمرو موسى وزير الخارجية الأسبق، والدكتورة عبلة عبد اللطيف المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، وعمر مهنا رئيس مجلس إدارة المركز.

عبلة عبد اللطيف: قراءة ما وراء الأحداث ضرورة لفهم مستقبل الاقتصاد

وأكدت الدكتورة عبلة عبد اللطيف أن المنتدى يمثل خطوة مهمة لتعزيز موقع مصر في دوائر الحوار الاقتصادي الدولي، من خلال جمع مراكز الفكر والمؤسسات البحثية والخبراء لمناقشة التحولات التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، والمشاركة في صياغة رؤى أكثر عمقا بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية الدولية.

وأوضحت أن اختيار شعار «من قمة جبل الجليد إلى الأعماق» يعكس طبيعة التحديات الحالية، إذ إن الأحداث التي تتصدر المشهد اليوم لا تمثل سوى الجزء الظاهر من الصورة، بينما توجد خلفها أسباب وتحولات هيكلية أكثر عمقا تحتاج إلى البحث والتحليل.

وأضافت أن العالم لا تنقصه المؤتمرات التي ترصد التطورات اليومية، بقدر حاجته إلى منصات تتيح مناقشة جذور الأزمات وفهم العوامل المؤثرة فيها، وصولا إلى حلول تتجاوز المعالجات المؤقتة.

وأشارت إلى أن المنتدى يولي اهتماما خاصا بمشاركة الأجيال الجديدة، حيث يشارك نحو 200 شاب في فعالياته، مؤكدة أن إشراكهم في الحوار أمر ضروري، لأن القرارات الاقتصادية والسياسية المتخذة حاليا ستحدد إلى حد كبير شكل المستقبل الذي سيعيشونه.

عمر مهنا: المنتدى منصة لاستشراف السيناريوهات الاقتصادية المقبلة

ومن جانبه، أكد عمر مهنا أن العالم يمر بمرحلة تتسم بتسارع التغيرات وتزايد الضغوط الاقتصادية، في ظل تداخل الأزمات السياسية والاقتصادية وتأثيراتها المتبادلة على حركة الاستثمار والنمو.

وأوضح أن أهمية المنتدى تكمن في الانتقال من متابعة التطورات الدولية إلى فهم دوافعها الحقيقية، وتحليل انعكاساتها المحتملة، واستشراف السيناريوهات التي قد تواجه الاقتصادات خلال السنوات المقبلة.

وأشار إلى أن التغيرات الجارية تفرض على الدول إعادة تقييم سياساتها الاقتصادية، والبحث عن أدوات أكثر كفاءة لجذب الاستثمارات وتعزيز القدرة التنافسية، وهو ما يتطلب الاستفادة من خبرات المشاركين وتنوع رؤاهم.

روينهوف: أكثر من 6 مليارات يورو حجم التجارة بين مصر وألمانيا

وفي سياق العلاقات الاقتصادية الدولية، أكد ستيفان روينهوف أهمية تعميق التعاون بين مصر وألمانيا، مشيدا بالدور الذي يؤديه منتدى القاهرة في توفير مساحة للحوار حول مستقبل الاقتصاد العالمي والتحديات التي تواجه مختلف الدول.

وأشار إلى أن العالم بحاجة إلى فهم التحولات العميقة التي تؤثر على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، مؤكدا أن التعامل مع هذه التحديات لا ينبغي أن يعتمد على الانغلاق الاقتصادي والإجراءات الحمائية، وإنما على توسيع الشراكات وتعزيز التعاون بين الدول.

وأوضح أن مصر تمثل شريكا مهما لألمانيا، وموقعا استراتيجيا يربط بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، لافتا إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 6 مليارات يورو، مع وجود فرص كبيرة لتعزيز الاستثمارات المشتركة.

وأضاف أن الشركات الألمانية، وفي مقدمتها «سيمنز»، تمتلك حضورا مهما في السوق المصرية، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، مشيرا إلى أن التعاون الاقتصادي بين البلدين يمتد إلى قطاعات جديدة تشمل الهيدروجين والرقمنة والتصنيع.

وأكد أن قطاع الطاقة يمثل أحد أبرز مجالات التعاون الواعدة، في ظل التحديات المرتبطة بتأمين الإمدادات بأسعار مناسبة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الصناعة وحماية البيئة.

كما شدد على أهمية الاستثمار في العنصر البشري، موضحا أن الخبرات الألمانية في التدريب المهني يمكن أن تتكامل مع القاعدة الشبابية الكبيرة في مصر، بما يسهم في إعداد كوادر مؤهلة لاحتياجات الاقتصاد الحديث.

كجوك: ثلاثة متغيرات تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي

ومن جانبه، قدم أحمد كجوك وزير المالية قراءة للتحديات الاقتصادية العالمية، مؤكدا أن العالم يتحمل حاليا تكلفة التحولات الهيكلية التي ستستمر آثارها خلال السنوات المقبلة، وأن الاقتصادات لم تعد قادرة على التعامل مع المتغيرات الجديدة من خلال متابعة المؤشرات التقليدية وحدها.

وأوضح أن هناك ثلاثة تحولات رئيسية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي؛ أولها التغير في قواعد التجارة الدولية، مع تزايد القيود الجمركية والسياسات الحمائية، وهو ما يضع الدول النامية أمام تحديات إضافية ويحد من فرص استفادتها من الأسواق العالمية.

ويتمثل التحول الثاني في ارتفاع تكلفة التمويل وتزايد تقلبات الأسواق المالية، الأمر الذي يؤثر على تدفقات الاستثمارات ويزيد الأعباء على الدول التي تحتاج إلى موارد مالية كبيرة لتمويل مشروعات التنمية.

أما التحول الثالث فيرتبط بالتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي يحمل فرصا كبيرة لتحسين الإنتاجية ورفع كفاءة الاقتصادات، لكنه قد يوسع الفجوة بين الدول التي تمتلك التكنولوجيا والقدرات البشرية اللازمة، وتلك التي لا تزال تواجه صعوبات في مواكبة التطورات.

وأكد وزير المالية أن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان توزيع عادل لمكاسب التحول التكنولوجي، وعدم ترك الدول النامية خارج دائرة الاستفادة من التطورات التي ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي مستقبلا.

خمسة مسارات لإعادة بناء نموذج النمو المصري

وعلى صعيد الاقتصاد المصري، كشف كجوك عن خمسة محاور رئيسية يقوم عليها البرنامج الاقتصادي للحكومة، تستهدف إحداث تحول في نموذج النمو وتعزيز قدرته على تحقيق نتائج أكثر استدامة.

وأوضح أن المحور الأول يرتكز على رفع الإنتاجية، مشيرا إلى أن الاقتصاد المصري حقق معدلات نمو تراوحت في المتوسط بين 4.5 و5% خلال العقود الماضية، دون مساهمة كافية من الإنتاجية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في محركات النمو وتطويرها.

ويركز المحور الثاني على إطلاق الإمكانات الكاملة لقطاع الخدمات، وتعزيز قدرته على التصدير وتوفير فرص عمل ذات جودة مرتفعة، بما يوسع القاعدة الإنتاجية ويزيد القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.

أما المحور الثالث فيستهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للطبقة المتوسطة، من خلال زيادة الدخول الحقيقية وتحسين فرص العمل ومستوى الخدمات، إلى جانب تطوير منظومة الحماية الاجتماعية.

ويتمثل المحور الرابع في تعميق اندماج الاقتصاد المصري في سلاسل القيمة العالمية والتكتلات الإقليمية، بما يعزز فرص الشركات المصرية في الوصول إلى الأسواق الخارجية والاستفادة من حركة التجارة والاستثمار.

فيما يستهدف المحور الخامس تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة، من خلال إدارتها بكفاءة وتوظيفها بصورة تحقق عوائد اقتصادية وتنموية أفضل.

وشدد كجوك على أن القطاع الخاص يمثل محور الارتكاز في النموذج الاقتصادي المستهدف، وأن الحكومة تسعى إلى تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لقيادة القطاع الخاص للاستثمار والإنتاج والتشغيل.

ودعا إلى تحويل الأفكار المطروحة خلال المنتدى إلى مقترحات عملية قابلة للتنفيذ، خاصة في ملفات الديون العالمية والعدالة الاقتصادية وتمويل المناخ وأهداف التنمية المستدامة وقواعد التجارة الدولية.

عمرو موسى: إصلاح الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز ضرورة دولية

وفي قراءة أوسع للمشهد السياسي العالمي، حذر عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق من خطورة المرحلة الحالية، مؤكدا أن العالم يواجه تحديات تهدد الأمن والاستقرار والازدهار، وأن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق في غياب السلام والتعاون الدولي.

وأشار إلى أن مستقبل النظام الدولي أصبح موضع تساؤل، خاصة فيما يتعلق بقدرة المؤسسات القائمة على إدارة الأزمات وتحقيق التوازن بين مصالح الدول، موضحا أن استبدال منظومة الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز ليس حلا واقعيا، وأن الأولوية يجب أن تكون لإصلاحها وتطويرها وتوسيع المشاركة الدولية في قراراتها.

وأكد أن مؤسسات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة حققت إسهامات مهمة في تحسين أوضاع العديد من الدول، لكن هيكل الأمن الدولي وآليات اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن يحتاجان إلى إصلاح حقيقي.

ولفت إلى أن العالم لم يعد محكوما فقط بمعادلة الشرق والغرب، بل يشهد صعودا متزايدا لمعادلة الشمال والجنوب، مع تنامي دور الاقتصادات الناشئة والدول النامية في تحديد مستقبل العلاقات الدولية.

موسى: التغيير الإقليمي يجب أن يشمل إسرائيل وإيران وجميع الأطراف

وتطرق موسى إلى الأوضاع في الشرق الأوسط، مؤكدا أن المنطقة بحاجة إلى تغيير حقيقي، لكنه شدد على أن هذا التغيير يجب ألا يقتصر على الدول العربية، بل ينبغي أن يشمل إسرائيل وجميع الأطراف المؤثرة في مستقبل المنطقة.

وانتقد السياسات الإسرائيلية التي تعتمد على القوة، مؤكدا أن أي مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط يجب أن يستند إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وأن يعبر عن مصالح شعوب المنطقة وليس عن إرادة طرف واحد.

كما دعا إيران إلى مراجعة سياساتها الإقليمية، مؤكدا أنها دولة أساسية في الشرق الأوسط، وأن مستقبلها يجب أن يقوم على التعاون الإيجابي واحترام سيادة الدول وبناء علاقات متوازنة مع محيطها العربي.

وشدد على ضرورة عدم تحويل الصراع إلى مواجهة بين العرب واليهود، وإنما التعامل معه باعتباره خلافا مع السياسات الإسرائيلية، مشيرا إلى أن الأصوات اليهودية التي رفضت استهداف المدنيين في غزة يمكن أن تمثل مدخلا لتعزيز الحوار وبناء مسارات جديدة للسلام.

وأكد أن مستقبل المنطقة يتطلب مراجعة شاملة لمواقف جميع الأطراف، بما يشمل إسرائيل وفلسطين وإيران والعالم اليهودي، وصولا إلى نظام إقليمي أكثر استقرارا وقدرة على تحقيق التنمية.

واختتم موسى بالتأكيد على أهمية تمسك مصر والمنطقة بالقانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة، والعمل من أجل مستقبل يضمن للشعوب حياة أفضل.

حوار القاهرة.. من تشخيص الأزمات إلى صياغة حلول المستقبل

وعكست المناقشات الافتتاحية لمنتدى القاهرة الثالث أن التحولات العالمية لم تعد مجرد أزمات عابرة، بل أصبحت تغيرات هيكلية تمس قواعد الاقتصاد والتجارة والسياسة الدولية، وتفرض على الدول إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية.

وبين دعوة وزير المالية إلى تطوير نموذج النمو المصري وتمكين القطاع الخاص، ورؤية عمرو موسى لإصلاح النظام الدولي وإعادة التوازن للعلاقات الإقليمية، والتأكيد الألماني على تعميق الشراكات الاقتصادية، تتبلور أهمية المنتدى باعتباره مساحة للحوار وتبادل الخبرات واستشراف مستقبل الاقتصاد العالمي.

وتبقى الرسالة الأبرز أن قدرة الدول على مواجهة المرحلة المقبلة لن تتوقف على التعامل مع الأزمات الظاهرة، وإنما على بناء اقتصاد قوي ومنتج، وتطوير القدرات البشرية والتكنولوجية، وتعزيز التعاون الدولي، بما يضمن لدول الجنوب العالمي دورا أكثر تأثيرا في صياغة مستقبل أكثر عدالة واستقرارا وازدهارا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى