صحفية سعاد طرابلسی” أكملت مسيرتي الصحفية بكل مهنية، وأشعر بالفخر بما قدمته خلال هذه السنوات،”

حاورتها ريم العبدلي ليبيا
في مسيرة الصحافة اللیبیة أسماء مشرفة لا تقاس سنوات عطائها بعدد الأخبار التي كتبتها أو التغطيات التي أنجزتها، بل بما تركته من أثر في المهنة، وبما قدمته من نموذج للصحفي الذي يرى في الكلمة مسؤولية، وفي الخبر أمانة، وفي الميدان مدرسة لا تنتهي دروسها،
سعاد طرابلسی الصحفیة المبدعةاختارت أن تجعل من شغفها المبكر بالصحافة بداية لمسيرة امتدت لسنوات، عايشت خلالها تفاصيل المجتمع عن قرب، وتنقلت بين الميدان والتغطيات والحوارات، والتقت بشخصيات تركت بصماتها في ذاكرتها المهنية والإنسانية، لم تكن الصحافة بالنسبة إليها مجرد وظيفة، بل كانت تجربة حياة أسهمت في تشكيل شخصيتها ونظرتها إلى الناس والمجتمع، وعلى الرغم من وصولها إلى مرحلة التقاعد، فإن ابتعادها عن العمل الصحفي لم يكن ابتعادا عن المهنة التي أحبتها، فقد بقيت تجربتها حاضرة بما تحمله من خبرة وذكريات ودروس، وبقي إيمانها بأن الصحافة المهنية تحتاج إلى المصداقية والموضوعية والضمير الحي، ولانها قدوه لنا فی العمل الصحفی التقیناها لنحط معها النقاط علی الحروف وکان لنا معها هذا الحوار
*استاذة سعاد كيف بدأت علاقتك بالعمل الصحفي؟ وهل كان هناك موقف معين دفعك إلى اختيار هذا المجال؟
-جذبني العمل الصحفي منذ الصغر، فقد كان لدي شغف كبير وحب للاستطلاع ومعرفة التفاصيل، أتذكر أنني كنت أمتلك فيديوهات عائلية منذ طفولتي، وكنت أظهر فيها وأنا أمسك المايك وأطرح الأسئلة على أفراد عائلتي، وكأنني أمارس العمل الإعلامي منذ ذلك الوقت، ربما لم أكن أدرك حينها أن هذا الشغف الصغير سيتحول مع مرور السنوات إلى مسيرة مهنية، لكن حب الاستطلاع والرغبة في السؤال ومعرفة ما وراء التفاصيل كانا موجودين لدي منذ البداية.
*ما أول مهمة صحفية كلفت بها؟
-لا تسعفني الذاكرة بتحديد أول مهمة صحفية بشكل دقيق، لأن طبيعة عملنا كانت ميدانية وعملية، ولم تكن مرتبطة بمكان أو وقت محدد، كنا نتحرك وفق متطلبات العمل والحدث، وهذا ما جعل الميدان بالنسبة لي مدرسة حقيقية تعلمت منها الكثير.
*استاذة سعاد ما أبرز المحطات التي تركت أثرا في مسيرتك المهنية؟
-هناك الكثير من المحطات التي تركت أثرا في مسيرتي، وأعتقد أن الأشخاص الذين التقيتهم خلال عملي كانوا جزءًا أساسيا من تكوين شخصيتي الصحفية فقد التقيت بشخصيات عديدة داخل الإدارة ومن خلال جولاتي وتغطياتي الميدانية كصحفية، وكل لقاء كان يحمل تجربة أو درسا جديدا، الصحفي لا يتعلم من الكتب فقط، بل يتعلم أيضا من الناس، ومن المواقف، ومن تفاصيل الحياة التي يراها خلال عمله.
*كيف تنظرين إلى تجربتك مع الصحافة الورقية في ظل انتشار الإعلام الإلكتروني؟
-مع كل الاحترام للصحافة الورقية، أرى أن لها جمهورا خاصا من القراء الذين يحبون المطالعة والقراءة واقتناء الصحف والمجلات، وأنا كنت من هذه الفئة لأنني أحب القراءة.
*ماهي أبرز مميزات الصحافة الورقية؟
-في رأيي أنها تمر بمراحل متعددة قبل نشر الخبر، وهذا يمنحها مساحة أكبر للمراجعة والتدقيق والتأكد من المعلومة، وبالتالي تعزيز المصداقية، لكن هذا لا يعني أن الإعلام الإلكتروني غير مهني؛ فهناك مواقع إلكترونية يديرها صحفيون وإعلاميون متخصصون يعملون بكل مهنية وموضوعية
*هل تعتقدين أن الصحافة الورقية قادرة على الصمود أمام الإعلام الإلكتروني؟
-الإعلام الإلكتروني أصبح تحديا حقيقيا للصحافة الورقية، خصوصا أنه يتميز بالسرعة في نقل الخبر وإنجازه ونشره، بينما الصحافة الورقية تحتاج إلى وقت أكبر، لكن الصحافة الورقية تمتاز بالتفاصيل والتحليل والمساحة التي تمنحها للموضوع، وهذا ما يجعلها قادرة على الحفاظ على مكانتها، خاصة لدى القارئ الذي يبحث عن مادة صحفية متكاملة وليست مجرد خبر سريع.
*استاذة سعاد ما الصفات التي يجب أن يتحلى بها الصحفي الناجح؟
-أهم شيء أن يبتعد الصحفي عن البحث عن الشهرة، وأن يعتمد على المصداقية والثقة، وأن يدرك أن عمله في الأساس خدمة للمتلقي، كما يجب أن يعرف الصحفي كيفية صياغة الخبر، وكيف يتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها، وأن يتحلى بالموضوعية والوعي والضمير المهني، وفي الفترة الأخيرة أصبح لدينا صحفيون خريجون وغير خريجين، وهذا أمر موجود في المجال، وقد نجد شخصا لم يدرس الإعلام ولكنه يمتلك صفات الصحفي من حيث القدرة على التواصل وحب الاستطلاع والجرأة والقدرة على التعلم، ويمكن تطوير مهاراته بالخبرة والتدريب، وفي المقابل قد نجد شخصا درس الإعلام ولكنه لا يمتلك المقومات الشخصية التي يحتاجها العمل الصحفي، وبالتالي لا ينجح، بالضرورة في الميدان فالدراسة مهمة، لكنها وحدها لا تكفي
*إلى أي مدى ترين أن التدريب مهم للصحفي؟
-التدريب ضروري جدا، ولا بد من تطوير الصحفي بشكل مستمر حتى يستطيع القيام بعمله على أكمل وجه.
فاالصحافة تتغير باستمرار، وكذلك أدواتها وأساليبها، ولذلك يحتاج الصحفي إلى أن يطور نفسه ويتعلم باستمرار، سواء في صياغة الأخبار أو إجراء المقابلات أو استخدام التقنيات الحديثة أو التعامل مع المصادر والمعلومات.
*استاذة الصحافة سعاد طرابلسي حدثينا عن أصعب المواقف والتحديات التي واجهتك خلال مسيرتك؟
-المسيرة المهنية كلها دروس من الحياة، والعمل الصحفي الميداني تحديدا لا يعتمد على مكان أو توقيت أو مكتب معين فقد كنت ربة بيت وأما، وفي الوقت نفسه أعمل في الميدان الصحفي صباحا ومساء، وكذلك خلال المناسبات والأحداث، هذه الظروف كانت صعبة أحيانا، لكنها في النهاية ساهمت في تكوين شخصيتي، صحيح أنني تعبت كثيرا، لكنني استفدت أكثر، وتغيرت أشياء كثيرة في حياتي بسبب عملي الصحفي، فاالصحافة أفادتني بشكل كبير، لأن المجتمع أصبح أمامي مثل كتاب مفتوح، كصحفية شاهدت تفاصيل الحياة بعمق، وهذا انعكس حتى على طريقة تربيتي لأبنائي، فقد أصبحت أكثر فهما للحياة وأكثر وعيا بتفاصيلها.
*ما أبرز الشخصيات التي التقيت بها وما زالت حاضرة في ذاكرتك؟
-من اللقاءات التي لا أنساها لقائي في قطاع غزة مع اتحاد الصحفيين العرب، حيث رأينا الكثير من التفاصيل وعشنا واقعا إنسانيا وميدانيا مؤثرا، وشاهدنا ما يعانيه أهل غزة، وكان الله في عونهم، وعلى الصعيد المحلي، هناك شخصيات عديدة أجريت معها حوارات ما زالت تفاصيلها حاضرة في ذاكرتي، من بينهم المرحوم أبو بكر يونس جابر، وكان إنسانا محترما جدا، وكذلك المرحوم عبدالفتاح يونس، الذي كان يتمتع بأخلاق عالية، وأيضا عاشور شوايل، أطال الله في عمره، هذه الحوارات لم تكن مجرد لقاءات صحفية بالنسبة لي، بل كانت تجارب إنسانية ومهنية ما زالت تفاصيلها تحضرني حتى اليوم.
*كيف كانت عملية الحصول على المعلومات في بدايات العمل الصحفي؟
-كانت العملية أكثر صعوبة من اليوم، لكنني أرى أنها كانت تتميز بمصداقية أكبر في كثير من الأحيان، لأننا كنا نبحث عن الخبر ميدانيا ونتحرك للوصول إلى مصدر المعلومة، رغم الوقت والجهد الذي كان يستغرقه إنجاز الخبر ونشره، اليوم أصبحت المعلومة تصل بسرعة كبيرة، لكن السرعة لا تعني دائما الدقة، نحن بحاجة إلى صحفي مهني يعرف كيف يتعامل مع المصادر ويتأكد من المعلومات قبل نشرها، وفي وقتنا الحالي، نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى المصداقية والوعي والضمير الحي في متابعة الأخبار ونشرها، وإلى أن تكون صياغة الخبر مبنية على مصادر واضحة وموثوقة.
*كيف يستطيع الصحفي المحافظة على الموضوعية؟
-الموضوعية تبدأ من شخصية الصحفي ومهنيته منذ البداية، يجب ألا يسمح الصحفي لمشاعره أو ميوله الشخصية بأن تؤثر في الخبر، وأن يعطي كل طرف حقه في عرض وجهة نظره، وأن يكون هدفه الوصول إلى الحقيقة ونقلها بأمانة.
*كيف ترين حضور المرأة في العمل الصحفي؟
-المرأة الصحفية تستطيع أن تفرض حضورها دون تلون أو تزييف، وإنما باحترامها وجدارتها ونجاحها، نحن كصحفيات نتعامل مع فئات مختلفة من المجتمع، وهذا يتطلب شخصية قوية وواعية ومحترمة، الصحفية المهنية لا تحتاج إلى أن تفرض نفسها بالصوت المرتفع، وإنما تفرض مكانتها بعملها واحترامها والتزامها، وأنا شخصيا خلال مسيرتي لم أشعر يوما أن أحدا يقلل من قدراتي، كنت أقوم بكل التغطيات التي أستطيع القيام بها، ووجدت من الجميع الاحترام والتقدير
*كيف اتخذتِ قرار التقاعد؟ وهل كان القرار صعبا؟
-كنت مصرة على قرار التقاعد، وربما كنت أكثر إصرارا عليه من الإدارة التي كنت تابعة لها، من أجل سرعة اتخاذ القرار، وصلنا في الفترة الأخيرة إلى مرحلة لم يعد فيها هناك تقدير كافى لما يبذله الصحفي من جهد، ولا للإمكانات التي يحتاج إليها للقيام بعمله، خصوصا في مدينة بنغازي، حيث كنا نفتقر إلى الإمكانات بشكل كبير، وكذلك الحال في عدد من الفروع، وصلت إلى مرحلة شعرت فيها بأنني أبتعد عن الصحافة رغم حبي الكبير لها، كنت حزينة على العمل الذي أحببته، وعلى غيابي عن الصحافة، لكن الإنسان في مرحلة معينة من عمره يبدأ في حساب مقدار التعب مقابل التقدير والإمكانات المتاحة، لقد أعطينا الكثير، وعملنا في ظروف صعبة، وكان لابد في مرحلة ما من أن نتوقف ونراجع حساباتنا،
*استاذة سعاد طالبتى سابقا بإنشاء نادى للمتقاعدين كخبراء ما الهدف من هذه الفكرة؟
-نعم، وأتمنى أن تتحقق هذه الفكرة يوما ما، المتقاعدون وخاصة أصحاب الخبرات الطويلة، يمثلون ثروة حقيقية لا يجب أن تضيع، سبق أن طالبت بإنشاء نادي للمتقاعدين كخبراء في مختلف المجالات، سواء الصحافة أو الطب أو الهندسة أو التعليم وغيرها، يمكن للشباب أن يجلسوا مع هؤلاء الخبراء ويستفيدوا من تجاربهم وخبراتهم، ليس فقط في الجانب المهني، وإنما في تفاصيل الحياة والتحديات التي مروا بها، أعتقد أن الاستفادة من تجاربهم ستكون أحيانا أكثر تأثيرا من المحاضرات النظرية، لأنهم يتحدثون عن تجارب عاشوها بالفعل.
*ماذا تقول لنا استاذة سعاد عن حصيلة سنوات العمل الصحفي؟
-الحمد لله، أكملت مسيرتي الصحفية بكل مهنية، وأشعر بالفخر بما قدمته خلال هذه السنوات، ومن الإنجازات التي أعتز بها صحيفة الحياة الليبية التي بدأ تأسيسها منذ عام 2011 وما زالت قائمة، وتضم مجموعة من الصحفيين المتخصصين والمهنيين والمحترفين والواعين بمسؤولية العمل الصحفي، هذا الإنجاز بالنسبة لي مصدر فخر، لأنني أشعر أنني قدمت شيئا يمنح قدرا من الاطمئنان والأمان، وتركت شيئا يذكر بعد سنوات من العمل.
كلمة نختم بها حوارنا؟
-أقول إن الصحافة ليست مجرد مهنة، وإنما مسؤولية ورسالة وتجربة حياة، الصحفي الحقيقي يترك أثره بما يقدمه وبالمصداقية التي يتحلى بها، وليس بعدد المتابعين أو الشهرة، وأتمنى أن يحافظ الجيل الجديد على قيمة المهنة، وأن يدرك أن الخبر أمانة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن احترام الناس والمصداقية والضمير الحي هي أساس النجاح كما في الختام أتقدم لك بالشكر، وأقول إنني أقدر فيكِ مهنيتك واحترامك للمهنة، وأرى أنك تمتلكين مقومات الصحفية المهنية والمحترفة، وكل من يقف أمامك يعطيك التحية تقديرا واحتراما.



