رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن العارف بالله أبو العباس المرسي،

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن العارف بالله أبو العباس المرسي،
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
قطب الزمان، وقدوة الأوان، وعَلَمُ الهداية، والمشار إليه بالولاية؛ طلع من المغرب هلالًا، بل بدرًا، ونزل الإسكندرية، فعاين أهلها منه على البر بحرًا.
سيدي أحمد بن عمر الأنصاري المرسي الشاذلي المالكي، المرشد المربي، العارف بالله، قطب الزمان، وارث سر سيدي أبي الحسن الشاذلي وخليفته، رضي الله عنهما.
اشتهر بكنيته أبي العباس، وبلقبه المرسي؛ نسبةً إلى بلدة مُرْسِيَة التي وُلِد فيها سنة 616 هجرية.
تلقَّى سيدي أبو العباس المرسي، رضي الله عنه، التصوف على يد شيخه الصوفي الأشهر، سيدي أبي الحسن الشاذلي، رضي الله عنه، الذي التقى به سيدي أبو العباس المرسي، رضي الله عنه، في تونس سنة 640 هجرية، بعد ما تزوَّد بعلوم عصره؛ كالفقه، والتفسير، والحديث، والمنطق، والفلسفة، وجاء أوان دخوله في الطريق الصوفي، وتلقِّيه تاج العلوم: التصوف.
وصحَّت صحبة سيدي أبي العباس، رضي الله عنه، لشيخه الشاذلي، وصار من بعده إمامًا للطريقة الشاذلية، وكان قبل ذلك قد تزوَّج بابنة شيخه.
وكان، رضي الله عنه، من أكابر العارفين، ولم يرث علم الشاذلي، رضي الله عنه، غيرُه، وهو أجلُّ مَن أخذ عنه الطريق، ولم يضع، رضي الله عنه، كتبًا.
وكان يقول:
«علوم هذه الطائفة علوم تحقيق، وعلوم التحقيق لا تسعها عقول عموم الخلق».
وكذلك شيخه أبو الحسن الشاذلي، قدَّس الله سرَّه، كان يقول: «كُتُبي أصحابي».
وقيل في حقه:
وَوَارِثُ عِلْمِ الشَّاذِلِيِّ حَقِيقَةً .. وَذَلِكَ قُطْبٌ فَاعْلَمُوهُ وَأَوْحَدُ
وكان، رضي الله عنه، يتحدث في سائر العلوم، ويقول: «شاركنا الفقهاء فيما هم فيه، ولم يشاركونا فيما نحن فيه».
وكان في المعارف والأسرار قطبَ رحاها، وشمسَ ضحاها؛ تقول إذا سمعت كلامه: هذا كلام مَن ليس وطنه إلا غيب الله، هو بأخبار أهل السماء أعلم منه بأخبار أهل الأرض.
وكان يقول: «أربعون سنة ما حُجِبتُ عن رسول الله ﷺ طرفة عين، ولو حُجِبت طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين».
وفي سنة 642 هجرية، وصل سيدي أبو العباس، رضي الله عنه، مع شيخه الشاذلي، قدَّس الله سرَّه، إلى الإسكندرية، واستقرَّا بحي كوم الدِّكَّة.
ولما قدم الإسكندرية من المغرب ضاق صدره حتى ضعف عن حمله، فأتى الشاذلي، فقال له:
«يا أبا العباس، آدم خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وأنزله إلى الأرض نزول كرامة لا إهانة؛ فإنه عبد الله في الجنة بالتعريف، وعرف ربه في الأرض بالتكليف، فما أنزله إليها ليُنقِصه، بل ليُكمِله. ولقد أنزله إليها قبل أن يخلقه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ما قال: في الجنة، ولا في السماء. فما استحق أن يكون خليفة حتى توفرت فيه العبوديتان. وأنت لك قسط من آدم؛ بدايتك في سماء الروح، في جنة المعارف، فأُنزِلتَ إلى أرض النفس لتعمل بالتكليف، فإذا توفرت فيك العبوديتان استحققت أن تكون خليفة».
فكان كذلك، وتولَّى القطبية، وذلك مكاشفة من شيخه له.
وبلغ، رضي الله عنه، من زهده أنه مكث بالإسكندرية ستًّا وثلاثين سنة، ما رأى وجه متوليها، ولا أرسل إليه. وطلبه المتولي يومًا للاجتماع به، فأبى، وقال: «والله، إني ألقى الله ولا أراه».
فكان الأمر كذلك. وكانت تأتيه الأمراء والملوك لتزوره، فكان يغلب عليه القبض، ولا ينبسط في مجلسهم.
وكان، رضي الله عنه، يقول: «والله، ما دخل بطني حرام قط».
وكان له ستون عِرْقًا تضرب إذا مدَّ يده إلى شبهة، وكان النور يتلألأ في أصابعه.
وأُعطي، رضي الله عنه، النطق بسائر اللغات والألسن.
وقال، رضي الله عنه، في تفسير قولهم: «مَن عرف نفسه فقد عرف ربه»:
«معناه: مَن عرف نفسه وعجزها، عرف ربه بعزته وقدرته».
وقال عن شيخه الشاذلي، قدَّس الله سرَّه: «لو كُشِف للناس عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض، فكيف بالطائع؟!».
وقال، رضي الله عنه: «طريقنا هذه لا تُنسَب إلى المشارقة ولا إلى المغاربة، بل واحد عن واحد، إلى الحسن بن علي، وهو أول الأقطاب».
وقال، رضي الله عنه: «إذا ضاق الولي هلك مَن يؤذيه حالًا، وإذا اتسع تحمَّل أذى الثقلين».
وقال، رضي الله عنه: «لحم الولي مسموم، وإن لم يؤاخذك، فإياك ثم إياك».
وكان، رضي الله عنه، ساكنًا بخط المقسم بالقاهرة، وكان يأتي كل ليلة إلى الإسكندرية، فيسمع ميعاد الشاذلي، ثم يرجع إلى القاهرة من ليلته.
تولَّى سيدي أبو العباس، رضي الله عنه، مشيخة الطريقة الشاذلية بعد وفاة سيدي أبي الحسن الشاذلي، رحمه الله، سنة 656 هجرية، وكان عمره آنذاك أربعين سنة.
وظل يحمل لواء العلم والتصوف حتى وفاته سنة 686 هجرية، بعد أن قضى أربعًا وأربعين سنة في الإسكندرية، سطع خلالها نجم الطريقة الشاذلية في الآفاق.
وكانت وفاته، رحمه الله، سنة ست وثمانين وستمائة، ودُفن بمسجده في الإسكندرية.
ومقامه، رحمه الله، مشهور بين أهل مصر بأسرها، يعرفه الكبير والصغير. وكان هذا الموضع وقت وفاته جبانةً يُدفن فيها الأولياء.
وقد أُقيم سنة 706 هجرية بناءٌ على مدفنه؛ ليتميَّز عن بقية القبور من حوله، فصار البناء مزارًا، ثم صار مسجدًا صغيرًا بناه زين الدين القطَّان، وأوقف عليه أوقافًا.
وأُعيد بناء المسجد، وتم ترميمه وتوسيعه سنة 1189 هجرية.
اللهم انفعنا به. آمين.
المصادر: [طبقات الشاذلية الكبرى. الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية




