رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإجازة الصيفية واستثمارها

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإجازة الصيفية واستثمارها
بقلم /
المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الزمن هو الحياة، وكل لحظة تمر لا تعود. ومن أعظم مواسم العمر الإجازة الصيفية.
يُطِلُّ عَلَيْنَا مَوْسِمُ الصَّيْفِ، الَّذِي تَتَحَرَّرُ فِيهِ النُّفُوسُ – فِي ظَاهِرِ الأَمْرِ – مِنْ قُيُودِ الدِّرَاسَةِ وَأَعْبَاءِ الوَظَائِفِ. إلَّا أَنَّ هَذَا المَوْسِمَ هُوَ فِي حَقِيقَةِ الإِيمَانِ مَيْدَانٌ فَسِيحٌ لِلتَّزَوُّدِ. إِنَّ قَضِيَّةَ الوَقْتِ لَيْسَتْ هَامِشِيَّةً فِي دِينِنَا، فَالوَقْتُ هُوَ وِعَاءُ العَمَلِ، وَمَادَّةُ العُمُرِ، وَرَأْسُ مَالِ التِّجَارَةِ مَعَ اللَّهِ. وَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَقَالَ: ﴿وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ٣﴾ [العصر: 1-3]. قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “لَوْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ”. وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالفَرَاغُ)). <أخرجه البخاري (6412)>. قَوْلُهُ “مَغْبُونٌ” مَأْخُوذٌ مِنَ “الغَبْنِ” فِي التِّجَارَةِ، فَشَبَّهَ حَالَ مَنْ يُفَرِّطُ فِيهِمَا بِالتَّاجِرِ الخَاسِرِ. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “قَدْ يَكُونُ الإِنْسَانُ صَحِيحاً وَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغاً… فَإِذَا اجْتَمَعَا لِلْعَبْدِ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الكَسَلُ عَنْ نَيْلِ الفَضَائِلِ فَذَاكَ الغُبْنُ”. <ابن الجوزي، فتح الباري لابن حجر، (11/230)، بتصرف يسير.>.
تَصْحِيحُ مَفْهُومِ الإِجَازَةِ الصَّيْفِيَّةِ فِي ضَوْءِ الوَحْيَيْنِ
لَقَدْ تَشَكَّلَ مَفْهُومٌ مَشُوهٌ عَنِ الإِجَازَةِ، حَيْثُ ارْتَبَطَتْ بِدَلَالَاتٍ سَلْبِيَّةٍ كَقَتْلِ الوَقْتِ بِالنَّوْمِ وَالسَّهَرِ عَلَى غَيْرِ طَاعَةٍ.
تَفْنِيدُ وَهْمِ “الرَّاحَةِ المُطْلَقَةِ”
مِنَ المَفَاهِيمِ المُغْلُوطَةِ أَنَّ الإِجَازَةَ مَوْسِمٌ لِلرَّاحَةِ المُطْلَقَةِ وَالكَسَلِ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا يَنْقَلِبُ إِلَى سَآمَةٍ وَمَلَلٍ. الحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَنَّ الرَّاحَةَ وَسِيلَةٌ لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، يَمْتَثِلُ المُؤْمِنُ فِيهَا قَوْلَ رَبِّهِ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨﴾ [الشرح: 7-8]. فَالمُؤْمِنُ فِي حَرَكَةٍ دَائِبَةٍ، إِذَا فَرَغَ مِنْ عَمَلٍ نَصَبَ فِي آخَرَ. يَقُولُ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “إِنِّي لَأَسْتَجِمُّ قَلْبِي بِشَيْءٍ مِنَ اللَّهْوِ، لِيَكُونَ أَقْوَى لِي عَلَى الحَقِّ”. <بهجة المجالس، لابن عبد البر، (1/ 129)، بتصرف.> فَاللَّهْوُ المُبَاحُ عِنْدَهُ “اسْتِجْمَامٌ” لِلتَّقَوِّي عَلَى الحَقِّ.
التَّوْفِيقُ النَّبَوِيُّ بَيْنَ حَاجَةِ النَّفْسِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلآخِرَةِ
لَقَدْ رَاعَى دِينُنَا جِبِلَّةَ الإِنْسَانِ، فَأَبَاحَ التَّرْوِيحَ بِضَوَابِطَ. وَمِمَّا يُجَلِّي هَذَا، حَدِيثُ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ؛ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً))، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. <أخرجه مسلم (2750)>. وَقَرَّرَ هَذَا المَبْدَأَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ قَالَ: “إِنَّ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ… وَسَاعَةٍ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ عَلَى هَذِهِ السَّاعَاتِ، وَإِجْمَامٌ لِلْقُلُوبِ.” <أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (10815)، وغيره.>
خِطَابُ الفَرَاغِ القُرْآنِيُّ وَالنَّبَوِيُّ وَهَدْيُ السَّلَفِ فِيهِ
● أَوَّلًا: خِطَابُ الفَرَاغِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ
تَعَامَلَ القُرْآنُ مَعَ الفَرَاغِ كَفُرْصَةٍ ثَمِينَةٍ، وَمَسْؤُولِيَّةٍ عَظِيمَةٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ٧ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب ٨﴾ [الشرح: 7-8]. وَقَدْ تَنَوَّعَتْ أَقْوَالُ المُفَسِّرِينَ فِي بَيَانِهَا، وَكُلُّهَا تَصُبُّ فِي مَعْنَى اغْتِنَامِ الفَرَاغِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ:
• قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ”.
• وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: “فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ العِبَادَةِ فَانْصَبْ فِي الدُّعَاءِ”.
• وَقَالَ القَاسِمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “إِذَا فَرَغْتَ مِنْ عَمَلٍ… فَانْصَبْ إِلَى عَمَلٍ آخَرَ… فَإِنَّ الرَّاحَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ”. <محاسن التأويل، للقاسمي، (9/477)، بتصرف يسير.>
● ثَانِيًا: الوَصَايَا النَّبَوِيَّةُ فِي اغْتِنَامِ الفُرَصِ
• حَدِيثُ اغْتِنَامِ الخَمْسِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)). <أخرجه الحاكم في المستدرك (7846)، وصححه العلماء>.
فِقْهُ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الوَقْتِ
كَانَ السَّلَفُ يَمْقُتُونَ الفَرَاغَ وَيَعُدُّونَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الخُسْرَانِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “إِنِّي لَأَمْقُتُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ فَارِغًا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا وَلَا عَمَلِ الْآخِرَةِ”. <مصنف ابن أبي شيبة، (34548)، بتصرف.>
وَصَاغَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا المَعْنَى فِي قَاعِدَةٍ نَفْسِيَّةٍ: “هِيَ النَّفْسُ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالحَقِّ شَغَلَتْكَ بِالبَاطِلِ”. <الوابل الصيب، ص: 38، بتصرف.>
مَخَاطِرُ الفَرَاغِ وَانْقِلَابُ النِّعْمَةِ إِلَى نِقْمَةٍ
لَقَدْ حَذَّرَ الشَّرْعُ الحَكِيمُ مِنَ الفَرَاغِ لِمَا يَنْجُرُّ عَنْهُ مِنْ مَفَاسِدَ.
● أَوَّلًا: الفَرَاغُ مَدْعَاةٌ لِتَسَلُّطِ الشَّيَاطِينِ
الفَرَاغُ هُوَ البِيئَةُ الخَصْبَةُ لِإِغْوَاءِ الإِنْسَانِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ)) <أخرجه الترمذي (2165)، وصححه العلماء>. وَالفَارِغُ البَطَّالُ أَقْرَبُ إِلَى تَوَلِّي الشَّيْطَانِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
● ثَانِيًا: الفَرَاغُ سَبَبٌ لِلْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ وَالجَسَدِيَّةِ
الرَّاحَةُ المُطْلَقَةُ تُؤَدِّي إِلَى الكَسَلِ وَالخُمُولِ، وَتُوَلِّدُ الأَمْرَاضَ النَّفْسِيَّةَ كَالِاكْتِئَابِ وَالقَلَقِ، فَالعَقْلُ كَالمَعِدَةِ إِنْ لَمْ تَمْلَأْهُ بِالنَّافِعِ فَسَدَ.
● ثَالِثًا: ضَيَاعُ الشَّخْصِيَّةِ وَانْحِلَالُ الأَخْلَاقِ
يَخْرُجُ كَثِيرٌ مِنَ الأَبْنَاءِ بَعْدَ الإِجَازَةِ بِأَخْلَاقٍ غَيْرِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ… احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ)). <أخرجه مسلم (2664)>. وَمِنْ أَخْطَرِ مَا يَنْجُمُ عَنِ الفَرَاغِ: التَّسَكُّعُ، وَإِدْمَانُ الأَلْعَابِ الإِلِكْتِرُونِيَّةِ، وَمُتَابَعَةُ الإِعْلَامِ الهَابِطِ.
البَرَامِجُ العَمَلِيَّةُ المُقْتَرَحَةُ لِاستِثْمَارِ الإِجَازَةِ (بُوصَلَةُ الاغْتِنَامِ)
لَا بُدَّ مِنْ خُطَّةٍ مُحْكَمَةٍ لِتَحْوِيلِ الإِجَازَةِ إِلَى مَوْسِمِ غَرْسٍ وَبِنَاءٍ.
بِنَاءُ الإِيمَانِ وَالعَقِيدَةِ (الأَوْلَوِيَّةُ القُصْوَى)
أَوَّلُ مَا تُصْرَفُ إِلَيْهِ الهِمَمُ هُوَ تَثْبِيتُ العَقِيدَةِ. يَقُولُ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ غِلْمَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا”. <أخرجه ابن ماجه (61)، وصححه العلماء>. وَمِنَ الوَسَائِلِ: مُطَالَعَةُ كُتُبِ العَقِيدَةِ المُبَسَّطَةِ، وَسَرْدُ قِصَصِ الأَنْبِيَاءِ، وَتَشْجِيعُ الأَبْنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالنَّوَافِلِ.
المَشْرُوعُ القُرْآنِيُّ (مَوْسِمُ التِّلَاوَةِ وَالحِفْظِ)
الإِجَازَةُ فُرْصَةٌ ذَهَبِيَّةٌ لِمُرَاجَعَةِ العَلَاقَةِ مَعَ القُرْآنِ. لَوْ حَفِظَ الشَّابُّ صَفْحَةً فِي اليَوْمِ لَأَتْقَنَ فِي الصَّيْفِ تِسْعَةَ أَحْزَابٍ. الوَسَائِلُ: الالْتِحَاقُ بِحَلَقَاتِ التَّحْفِيظِ، وَتَخْصِيصُ وَقْتٍ يَوْمِيٍّ ثَابِتٍ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)). <أخرجه البخاري (5027)>. وَقَالَ: ((يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا)). <أخرجه الترمذي (2914)، وصححه العلماء>.
مَشْرُوعُ القِرَاءَةِ وَبِنَاءِ الثَّقَافَةِ
القِرَاءَةُ حِصْنٌ حَصِينٌ لِلْعَقْلِ، وَقَدْ نَزَلَ أَوَّلُ القُرْآنِ بِـ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ١﴾ [العلق: 1]. لَوْ قَرَأَ الشَّابُّ عَشْرَ صَفَحَاتٍ يَوْمِيًّا لَأَتَمَّ ثَلَاثَةَ كُتُبٍ فِي الصَّيْفِ. الوَسَائِلُ: تَخْصِيصُ مَكْتَبَةٍ بَيْتِيَّةٍ، وَاسْتِشَارَةُ المُخْتَصِّينَ، وَمُنَاقَشَةُ مَا تَمَّتْ قِرَاءَتُهُ.
● رَابِعًا: الرِّيَاضَةُ البَدَنِيَّةُ (قُوَّةٌ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا)
الإِسْلَامُ يَدْعُو إِلَى العِنَايَةِ بِالبَدَنِ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ لَهْوٌ أَوْ سَهْوٌ؛ إِلَّا أَرْبَعَ خِصَالٍ: مَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَةُ أَهْلِهِ، وَتَعَلُّمِ السِّبَاحَةِ)). <أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (1771)، وصححه العلماء>. الضَّوَابِطُ: أَنْ تُنْوَى بِهَا التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَدَمُ تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ، وَسَتْرُ العَوْرَةِ، وَتَجَنُّبُ الِاخْتِلَاطِ.
● خَامِسًا: العَمَلُ وَالكَسْبُ الحَلَالُ (تَدْرِيبٌ عَلَى المَسْؤُولِيَّةِ)
مِنَ البَرَامِجِ المُفِيدَةِ البَحْثُ عَنْ عَمَلٍ مُبَاحٍ أَوْ حِرْفَةٍ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي رِعَايَةِ الغَنَمِ وَالتِّجَارَةِ. الوَسَائِلُ: مُسَاعَدَةُ الأَبْنَاءِ فِي البَحْثِ عَنْ أَعْمَالٍ صَيْفِيَّةٍ، وَتَوْعِيَتُهُمْ بِفِقْهِ الكَسْبِ الحَلَالِ.
● سَادِسًا: صِلَةُ الأَرْحَامِ وَالأَعْمَالُ التَّطَوُّعِيَّةُ
الإِجَازَةُ فُرْصَةٌ لِتَقْوِيَةِ أَوَاصِرِ القُرْبَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ… وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 36]. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ)). <أخرجه الترمذي (1979)، وصححه العلماء>.
الوَسَائِلُ: تَنْظِيمُ زِيَارَاتٍ عَائِلِيَّةٍ، وَالمُشَارَكَةُ فِي الأَعْمَالِ التَّطَوُّعِيَّةِ كَتَنْظِيفِ الحَيِّ وَزِيَارَةِ المَرْضَى.
السَّفَرُ وَالسِّيَاحَةُ الهَادِفَةُ
السَّفَرُ المُبَاحُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا لِلتَّفَكُّرِ: ﴿قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: 20]. الضَّوَابِطُ: أَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ نَبِيلٍ كَالعُمْرَةِ أَوْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَاخْتِيَارُ الرُّفْقَةِ الصَّالِحَةِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ)). <أخرجه أبو داود (4832)، والترمذي (2395)، وحسنه العلماء>. مَعَ تَجَنُّبِ البِقَاعِ المَشْبُوهَةِ.
الأَدْوَارُ التَّكَامُلِيَّةُ لِلمُؤَسَّسَاتِ المُجْتَمَعِيَّةِ (المَسْجِدُ، الأُسْرَةُ، وَوِلَايَةُ الأَمْرِ)
● أَوَّلًا: دَوْرُ وَلِيِّ الأَمْرِ (الأُسْرَةُ)
الأُسْرَةُ هِيَ النَّوَاتُ الأُولَى لِلْمُجْتَمَعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…)). <أخرجه البخاري (2554)، ومسلم (1829)>. الخُطَّةُ المُثْلَى تَشْمَلُ: وَضْعَ خُطَّةٍ مُسْبَقَةٍ لِلإِجَازَةِ يُشَارِكُ فِيهَا الجَمِيعُ، وَإِشْعَارَ الأَبْنَاءِ بِالاحتِوَاءِ، وَمُرَاقَبَتَهُمْ وَالتَّعَرُّفَ عَلَى أَصْدِقَائِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)). <أخرجه أبو داود (4833)، والترمذي (2378)، وحسنه العلماء>.
● ثَانِيًا: دَوْرُ المَسْجِدِ وَأَئِمَّتِهِ
المَسْجِدُ قَلْبُ المُجْتَمَعِ النَّابِضُ. أَدْوَارُهُ: إِقَامَةُ حَلَقَاتِ تَحْفِيظِ القُرْآنِ، وَتَنْظِيمُ دُرُوسٍ وَدَوْرَاتٍ تَثْقِيفِيَّةٍ، وَالتَّنْسِيقُ مَعَ مَرَاكِزِ الدَّعْوَةِ، وَتَنْظِيمُ مُبَارَيَاتٍ ثَقَافِيَّةٍ وَرِيَاضِيَّةٍ هَادِفَةٍ.
خَاتِمَةٌ فِي مِعْرَاجِ الهِمَمِ وَالِاستِعْدَادِ لِلسُّؤَالِ
رَحَلَةُ الصَّيْفِ سَتَمْضِي، وَيَوْمَ القِيَامَةِ تُفْتَحُ الخَزَائِنُ وَيُحَاسَبُ التُّجَّارُ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ)). <أخرجه الترمذي (2416)، وصححه العلماء>. فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يَسْأَلُهُ اللَّهُ عَنْ شَبَابِهِ الَّذِي أَبْلَاهُ فِي المَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ؟! إِنَّ الفَرَاغَ وِعَاءٌ خَطِيرٌ، فَامْلَأْهُ بِالنَّافِعَاتِ قَبْلَ أَنْ يَمْلَأَهُ الآخَرُونَ بِالمُهْلِكَاتِ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: “السَّنَةُ شَجَرَةٌ، وَالشُّهُورُ فُرُوعُهَا، وَالْأَيَّامُ أَغْصَانُهَا، وَالسَّاعَاتُ أَوْرَاقُهَا، وَالْأَنْفَاسُ ثَمَرُهَا، فَمَنْ كَانَتْ أَنْفَاسُهُ فِي طَاعَةٍ فَثَمَرَةُ شَجَرَتِهِ طَيِّبَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ فِي مَعْصِيَةٍ فَثَمَرَتُهُ حَنْظَلٌ”. <عدة الصابرين، ص: 94، بتصرف.>. فَاغْتَنِمُوا فُرَصَ العُمُرِ، وَكُونُوا مِنَ القَلِيلِ الَّذِينَ لَمْ يَغْبِنُوا فِي الصِّحَّةِ وَالفَرَاغِ.
إن الإجازة الصيفية مسؤولية. ضع خطة لنفسك، واملأ أيامك بما يرضي الله، وكن من القليل الذين لا يُغبنون في صحة ولا فراغ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُغْتَنَمُ فَرَاغُهُ فِي طَاعَتِكَ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا أَزْوَاجَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا. اللَّهُمَّ انْصُرِ الإِسْلَامَ وَأَعِزَّ المُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا، وَأَعِنَّا عَلَى اسْتِثْمَارِ سَاعَاتِنَا فِي طَاعَتِكَ. اللَّهُمَّ افْتَحْ عَلَيْنَا أَبْوَابَ العِلْمِ النَّافِعِ، وَارْزُقْنَا صُحْبَةَ الصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ مُضِلَّاتِ الفِتَنِ. اللَّهُمَّ اشْغَلْهُمْ بِطَاعَتِكَ، وَامْلَأْ فَرَاغَهُمْ بِالنَّافِعِ المُفِيدِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.




