حادث بلاريجيا بجندوبة يفضح الفجوة بين القوانين وتطبيقها ويعيد ملف حماية العاملات الفلاحيات إلى دائرة المساءلة

بقلم: إيمان مزريقي

أعاد حادث المرور الذي جد صباح الأربعاء 28 أكتوبر 2026 بمنطقة بلاريجيا التابعة لمعتمدية جندوبة الشمالية على الطريق الجهوية عدد 59 الرابطة بين بوسالم وجندوبة عبر بلاريجيا ملف سلامة العاملات الفلاحيات إلى واجهة النقاش العام وطرح أسئلة محرجة حول مدى تطبيق القوانين المنظمة للنقل الفلاحي وحقيقة الرقابة على العربات والسائقين والجهات التي يفترض أن تضمن احترام الشروط القانونية. وتتمثل المعطيات الأولية في اصطدام شاحنتين خفيفتين من نوع إيسوزي إحداهما مخصصة لنقل العاملات الفلاحيات مما أدى إلى إصابات متفاوتة الخطورة استوجبت تدخل وحدات الحماية المدنية وسيارات الإسعاف ونقل المصابين إلى المستشفى الجامعي بجندوبة. وقد تحدثت تقارير أولية عن إصابة 11 عاملة فلاحية وسائق شاحنة بينما أوردت تقارير أخرى حصيلة مختلفة ذكرت 12 عاملة وسائقي الشاحنتين وهو اختلاف يقتضي توضيحا رسميا نهائيا يحسم عدد المصابين وحالاتهم الصحية. ورجحت المعطيات الأولية أن يكون انحراف إحدى العربتين بسبب رذاذ الأمطار قد ساهم في وقوع التصادم لكن هذه الفرضية لا تمثل نتيجة نهائية ولا تعفي أي طرف من المسؤولية إذا أثبت التحقيق وجود إخلال بقواعد السلامة أو عدم احتياط أو خلل فني أو مخالفة لشروط نقل العملة الفلاحيين. إن الخطورة الحقيقية في هذا الحادث تكمن في أنه يعيد إلى الواجهة سؤالا يتجاوز تفاصيل الاصطدام إلى طبيعة المنظومة التي تنقل النساء إلى الحقول يوميا ومدى قدرتها على حماية حياتهن قبل وقوع الحوادث لا الاكتفاء بالتدخل بعد إصابتهن.

 

إن الإدانة هنا يجب أن تكون واضحة وحازمة تجاه كل استهتار بأرواح العاملات وكل تقصير يثبت أنه عرّضهن للخطر. فالعاملة الفلاحية تخرج في ساعات مبكرة بحثا عن مورد رزق محدود وتتحمل مشقة العمل الزراعي والمساهمة في الإنتاج الوطني وتأمين الغذاء بينما تتحمل أسرتها تبعات أي إصابة قد تحرمها من الدخل أو تفرض عليها نفقات علاج إضافية. وليس من المقبول أن تتحول رحلة العمل إلى مخاطرة يومية بسبب ضعف النقل المنظم أو غياب البدائل أو عدم احترام شروط السلامة أو قصور الرقابة. ومن حق الرأي العام أن يسأل كيف يمكن أن تقع هذه الحوادث رغم وجود قانون خاص لنقل العملة الفلاحيين وأمر حكومي يضبط شروط استغلال العربات ومرسوم أحدث نظاما خاصا للحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات. وهل المشكلة في نقص التشريعات أم في عدم استكمال آليات تنفيذها؟ وهل تتم مراقبة وسائل النقل قبل خروجها إلى الطرقات أم أن الرقابة لا تتحرك إلا بعد تسجيل الإصابات؟ وهل توجد قاعدة بيانات محينة للعربات المرخص لها والسائقين وبطاقات الاستغلال والفحص الفني والمخالفات المسجلة؟ إن هذه الأسئلة ليست اتهامات مسبقة لأي جهة وإنما مطالب مشروعة لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات ومنع تكرار الحادث.

 

وتكشف الأرقام الوطنية لسلامة المرور إلى غاية 26 أكتوبر 2026 عن مفارقة خطيرة تستوجب مراجعة سياسات الوقاية. فقد سجلت تونس 4053 حادث مرور مقابل 4507 خلال الفترة نفسها من سنة 2025 أي بانخفاض قدره 454 حادثا وبنسبة 10.07 بالمائة. غير أن عدد القتلى ارتفع من 999 إلى 1133 قتيلا بزيادة قدرها 134 وفاة وبنسبة 13.41 بالمائة. وفي المقابل تراجع عدد الجرحى من 5944 إلى 5222 جريحا أي بانخفاض قدره 722 جريحا وبنسبة 12.15 بالمائة. وتؤكد هذه المؤشرات أن تراجع عدد الحوادث لا يكفي وحده للحكم بتحسن السلامة المرورية ما دامت الوفيات تتزايد وأن تقييم السياسات يجب أن يعتمد كذلك على خطورة الحوادث ونتائجها وعلى كفاءة الرقابة والوقاية. وتظهر البيانات الرسمية للأسباب المسجلة خلال الفترة نفسها 1256 حادثا مرتبطا بالسهو وعدم الانتباه و859 حادثا مرتبطا بالسرعة. كما أحصت 407 حالات وفاة ضمن الحوادث المصنفة تحت سبب السرعة مقابل 216 وفاة ضمن الحوادث المصنفة تحت السهو وعدم الانتباه. أما الإصابات فقد بلغ عددها 1384 ضمن الحوادث المصنفة تحت السهو وعدم الانتباه و1174 ضمن الحوادث المصنفة تحت السرعة. وهذه التصنيفات تعكس أهمية الحذر والتحكم في السرعة وتجنب المجازفة لكنها لا تسمح وحدها بتحديد سبب حادث بلاريجيا قبل استكمال التحقيق الفني.

ويكشف الرصد الحقوقي الخاص بنقل العاملات الفلاحيات عن جانب آخر من الأزمة. فقد أفاد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأنه رصد خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2024 إلى أكتوبر 2026 نحو 18 حادث نقل فلاحي أسفرت عن 10 وفيات وعشرات الإصابات في صفوف العاملات. وتعني هذه الحصيلة أن الحوادث المرصودة خلال عامين لم تقتصر على إصابات عابرة وإنما خلفت خسائر بشرية متكررة. وأشار المنتدى أيضا إلى أن 63 بالمائة من الحوادث ضمن قاعدة الرصد التي اعتمدها في تقييم الملف وقعت بعد صدور القانون عدد 51 لسنة 2019. ولا تمثل هذه الأرقام إحصاء وطنيا شاملا لجميع حوادث النقل الفلاحي وإنما مؤشرات حقوقية تستدعي مقارنتها بالبيانات الرسمية وتوحيد طرق جمع المعطيات ونشرها حتى تتضح بصورة دقيقة أعداد الحوادث والوفيات والإصابات وأسبابها ومناطق تركزها. ولا يمكن التعامل مع استمرار هذه الوقائع باعتباره أمرا عاديا أو تكلفة مقبولة للعمل الفلاحي بل يمثل مؤشرا على ضرورة التثبت من فاعلية المنظومة القانونية ومدى قدرتها على تقليص المخاطر فعليا.

لقد أقر القانون عدد 51 لسنة 2019 المؤرخ في 11 جوان 2019 والمتعلق بإحداث صنف نقل العملة الفلاحيين إطارا قانونيا خاصا لهذا النشاط من خلال إضافة الفصل 21 مكرر إلى القانون عدد 33 لسنة 2004 المؤرخ في 19 أفريل 2004 المتعلق بتنظيم النقل البري. ويعرف الفصل الجديد نقل العملة الفلاحيين باعتباره خدمة للنقل العمومي غير المنتظم للأشخاص مخصصة للعملة الفلاحيين القارين والموسميين والطارئين ويتولاها شخص طبيعي أو معنوي ضمن الحدود الترابية المرخص بها وتضبط تعريفتها على أساس المقعد والمسافة المقطوعة. وبذلك أصبح نقل العاملات نشاطا منظما بشروط قانونية لا يجوز اختزاله في اتفاق شفوي بين صاحب ضيعة وسائق أو في عملية نقل عادية خارج نظام التراخيص. وقد جاء هذا القانون استجابة لحاجة اجتماعية واقتصادية فرضتها طبيعة العمل الموسمي واتساع المسافات بين مناطق السكن والحقول وتكرار المخاطر المرتبطة بالنقل غير المنظم. إلا أن إحداث صنف قانوني خاص لا يمثل في حد ذاته ضمانة كافية للسلامة إذا لم يقترن بمراقبة فعلية للعربات والسائقين وبالعقوبات التي يقررها القانون عند ثبوت المخالفة.

ثم صدر الأمر الحكومي عدد 724 لسنة 2020 المؤرخ في 31 أوت 2020 لضبط شروط ممارسة نشاط نقل العملة الفلاحيين وشروط الانتفاع بالخدمة. وينص الفصل الثاني منه على إخضاع ممارسة النشاط لترخيص يسنده الوالي المختص ترابيا وفق الشروط القانونية. كما ينظم الفصل الثالث الانتفاع بالخدمة والبطاقة الخاصة بالعامل الفلاحي. ويتضمن الأمر أحكاما تتعلق بأهلية الناقل والسائق وبصنف رخصة السياقة اللازمة والتكوين في الإسعاف على الطرقات. وبمقتضى الفصل الرابع عشر لا يجوز ممارسة هذا النشاط إلا باستعمال العربات التي حددها النص وهي السيارة الخاصة والسيارة المزدوجة والحافلة على أن توفر خمسة مقاعد على الأقل باعتبار مقعد السائق وألا يتجاوز عمرها سبع سنوات عند بداية الاستغلال وألا يتواصل استغلالها بعد تجاوز خمس عشرة سنة. وتكتسب هذه الأحكام أهمية خاصة في حادث بلاريجيا لأن التقارير تحدثت عن شاحنتين خفيفتين من نوع إيسوزي وهو ما يجعل التثبت من التصنيف الفني الرسمي لكل عربة أمرا ضروريا. فلا يكفي اسم الصانع أو وصف المركبة بأنها شاحنة للحكم بمخالفة النص وإنما يتعين مراجعة وثائق التسجيل والتصنيف وطريقة تهيئة العربة ومدى مطابقتها للأصناف المسموح بها. فإذا ثبت أن إحدى العربتين لا تستجيب للشروط القانونية وجب تحديد المسؤولية والإجراءات المستوجبة بحسب طبيعة المخالفة وما إذا كانت قد ساهمت في وقوع الحادث.

وأوجب الفصل الخامس عشر من الأمر الحكومي عدد 724 لسنة 2020 وضع علامات مميزة على العربات المخصصة لنقل العملة الفلاحيين بما يسمح بالتعرف عليها ومراقبتها. كما ألزم الفصل السادس عشر بتجهيزها بعجلة احتياطية صالحة للاستعمال والأدوات الضرورية لإصلاح الأعطاب الخفيفة ومطفأة حريق وصندوق للإسعافات الأولية ومثلثي خطر ومصباح يدوي وغيرها من التجهيزات المحددة بالنص. ويشترط الفصل السابع عشر أن تكون كل عربة مصحوبة ببطاقة استغلال تسلمها المصالح المختصة للوكالة الفنية للنقل البري وتكون صالحة لمدة أقصاها خمس سنوات. وهذه الالتزامات ليست تفاصيل إدارية ثانوية بل تمثل الحد الأدنى من شروط استغلال نشاط نقل الأشخاص بطريقة منظمة وآمنة. ولذلك يجب أن تشمل التحقيقات التثبت من وثائق العربتين وتاريخ الفحص الفني ومدى صلاحية المكابح والإطارات وأجهزة الإنارة والتجهيزات المفروضة وعدد الركاب الفعلي ومدى احترام قواعد الاستغلال. كما ينبغي التثبت من رخص السياقة والوثائق المهنية ومدى احترام حدود الترخيص ومجال الجولان. فإذا كانت المخالفات ثابتة وجب ترتيب آثارها القانونية وإذا كانت العربتان مستوفيتين للشروط وجب الانتقال إلى بقية الفرضيات المتعلقة بالسرعة ومسافة الأمان والظروف الجوية وحالة الطريق وسلوك السائقين.

وتفرض مجلة الطرقات الصادرة بالقانون عدد 71 لسنة 1999 المؤرخ في 26 جويلية 1999 والمنقحة بالنصوص اللاحقة واجبات واضحة على سائقي العربات. فالفصل السابع يرتبط بضرورة توفر المؤهلات البدنية والعقلية اللازمة للسياقة فيما يلزم الفصل الثالث عشر السائق باليقظة والتحكم في السرعة وتعديلها بحسب إشارات المرور وحالة الطريق والطقس وكثافة حركة الجولان والعوارض المتوقعة وخصائص العربة وحمولتها. ويؤكد الفصل الرابع عشر ضرورة ترك مسافة أمان كافية بين العربات لتفادي الاصطدام عند التخفيض الفجئي للسرعة أو الوقوف المفاجئ. كما تتضمن المجلة أحكاما تتعلق بالمجاوزة وتغيير الاتجاه واحترام علامات المرور والفحص الفني وصلاحية العربات للجولان. ويكتسب هذا الإطار أهمية إضافية في حادث بلاريجيا بسبب المعطيات التي تحدثت عن رذاذ الأمطار. فالمطر حتى عندما يكون خفيفا قد يغير تماسك الإطارات مع الطريق ويستوجب التخفيض من السرعة وتوسيع مسافة الأمان وتجنب المناورات الخطرة. ولا يجوز اتخاذ الأحوال الجوية مبررا آليا لإعفاء السائق من المسؤولية لأن واجب الحذر يقتضي تعديل طريقة القيادة وفقا للظروف المتاحة فعليا.

وقد ضبط قرار وزير النقل واللوجستيك المؤرخ في 31 مارس 2021 المتعلق بمسافة الأمان قاعدة تقوم على ترك مسافة تقطعها العربة خلال ثانيتين بالنسبة إلى السائق المستوفي للمؤهلات البدنية والعقلية المطلوبة. وضمن الملحق المرفق بالقرار حددت مسافات تقريبية دنيا تبدأ من سرعة خمسين كيلومترا في الساعة. فعند سرعة 50 كيلومترا تبلغ المسافة 30 مترا وعند 60 كيلومترا تبلغ 36 مترا وعند 70 كيلومترا تبلغ 42 مترا وعند 80 كيلومترا تبلغ 48 مترا وعند 90 كيلومترا تبلغ 54 مترا وعند 100 كيلومتر تبلغ 60 مترا وعند 110 كيلومترات تبلغ 66 مترا. كما أقر الفصل الرابع من القرار مسافة أمان دنيا قدرها 50 مترا خارج مواطن العمران وعلى الطرقات السيارة للعربات التي يتجاوز وزنها الجملي المرخص فيه 3500 كيلوغرام أو يتجاوز طولها سبعة أمتار مع رفع المسافة إلى 75 مترا للعربات الناقلة للمواد الخطرة. وهذه الأرقام تبرز أن مسافة الأمان التزام محدد وليست تقديرا عشوائيا وأن السرعة المناسبة للظروف الجوية وحالة الطريق عنصر حاسم في الوقاية. غير أن تحديد مدى احترام هذه المسافات في حادث بلاريجيا يظل رهين المعاينات الفنية والأدلة المتاحة ولا يمكن استخلاصه من وصف الحادث وحده.

وتتصل المسؤولية كذلك بسلامة العمل والعلاقات الشغلية. فقد أصدرت تونس مجلة الشغل بمقتضى القانون عدد 27 لسنة 1966 المؤرخ في 30 أفريل 1966 وأدرجت فيها أحكاما تتعلق بظروف العمل والصحة والسلامة المهنية. ويقرر الفصل 152 مكرر 2 واجبات على المؤجر تتصل باتخاذ التدابير اللازمة لحماية العمال ووقايتهم من المخاطر المهنية وتوفير ظروف عمل مناسبة ووسائل الوقاية والإعلام بالمخاطر في حدود انطباق النص على العلاقة المعنية. ولا يعني ذلك أن المؤجر يتحمل تلقائيا المسؤولية عن كل حادث نقل بلاريجيا وإنما يجب التثبت من طبيعة العلاقة بين العاملات والضيعات ومن الجهة التي نظمت الرحلة ومن مدى ارتباط النقل بواجبات المشغل القانونية. فإذا ظهر أن النقل يدخل ضمن تنظيم العمل أو أن جهة معينة أخلت بواجب قانوني محدد وثبتت صلة ذلك بالحادث وجب تقدير المسؤولية وفقا للأدلة والنصوص المنطبقة.

كما يستوجب الحادث التثبت من مدى انطباق القانون عدد 28 لسنة 1994 المؤرخ في 21 فيفري 1994 المتعلق بالتعويض عن الأضرار الحاصلة بسبب حوادث الشغل والأمراض المهنية كما نقح بالقانون عدد 103 لسنة 1995 المؤرخ في 27 نوفمبر 1995 على حالات المصابات. فحوادث الطريق قد تطرح مسألة حادث الشغل أو حادث الطريق المرتبط بالانتقال من محل الإقامة إلى العمل أو العودة منه بحسب ظروف المسار وشروطه القانونية. ولذلك ينبغي التثبت من وضعية العاملات المهنية والتصريح بهن لدى الضمان الاجتماعي وطبيعة الرحلة والجهة المنظمة للنقل والتغطية التأمينية والتقارير الطبية حتى لا تضيع حقوق المتضررات بسبب نقص الوثائق أو تعقيد الإجراءات. كما تنظم مجلة الالتزامات والعقود التونسية في فصولها المتعلقة بالفعل الضار والخطأ والضرر والعلاقة السببية وجبر الأضرار أسس المسؤولية المدنية متى ثبتت شروطها. أما المسؤولية الجزائية فتتحدد بحسب طبيعة الإخلال ونتائج التحقيق وخطورة الإصابات وما تؤكده الشهادات الطبية والأدلة الفنية ولا يجوز حسمها قبل استكمال الإجراءات. إن احترام قرينة البراءة لا يمنع المطالبة بتحقيق جدي ولا يعفي المخالفين متى ثبتت مسؤوليتهم وإنما يضمن أن تكون المحاسبة قائمة على القانون والأدلة.

غير أن الملف لا يتوقف عند قانون النقل ومجلة الطرقات بل يمتد إلى المرسوم عدد 4 لسنة 2024 المؤرخ في 22 أكتوبر 2024 المتعلق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات. وقد أحدث هذا المرسوم نظاما خاصا يهدف إلى تحسين التغطية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات ودعم إدماجهن الاقتصادي والاجتماعي وتأمين حقوقهن في الحماية الصحية والاجتماعية وفق الشروط التي يضبطها النص. ويشمل الإطار المقرر للعاملات الفلاحيات الأجيرات وغير الأجيرات في الحالات التي حددها المشرع وينظم الانتفاع بمنافع الضمان الاجتماعي وجرايات الشيخوخة والعجز والباقين بعد الوفاة والتغطية ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية بحسب الفئات وشروط الاستحقاق. كما يتضمن آليات للإدماج الاقتصادي والتأهيل والتكوين والمرافقة والمساعدة على بعث مشاريع فلاحية صغرى ويقرر إرساء سجل خاص بالعاملات الفلاحيات ولجان جهوية للحماية الاجتماعية تتولى المساهمة في تحديد الحاجيات ودراسة المشاريع والتنسيق بين الهياكل المعنية.

والأهمية المباشرة لهذا المرسوم في حادث بلاريجيا تتجلى في الفصل السادس والثلاثين الذي ينص على انتفاع العاملة الفلاحية بالنقل الفلاحي وفق أحكام المرسوم إذا كانت هويتها مدرجة بسجل العاملات الفلاحيات ومثبتة ببطاقة خاصة تسلمها المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية المختصة ترابيا بالتنسيق مع اللجنة الجهوية للحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات. أما الفصل السابع والثلاثون فينص على تكفل صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات بنسبة من مصاريف النقل لفائدتهن بحسب الحاجيات التي يضبطها الولاة. ويكشف هذان الفصلان أن النقل الآمن جزء من منظومة الحماية الاجتماعية وليس خدمة منفصلة عنها وأن تخفيف كلفة النقل وإتاحته بصورة منظمة عنصر أساسي في حماية العاملات. لكن الحق الذي لا تصاحبه إجراءات تنفيذية واضحة لا يضمن بمفرده حافلة أو سيارة مطابقة ولا يضع العاملات على طريق آمنة ولا يضمن أن يتحمل الصندوق جزءا من المصاريف فعليا. لذلك يجب أن تتضح كيفية التسجيل وإسناد البطاقات وشروط الانتفاع ومقدار التكفل ومصادر تمويله والإجراءات التي تضمن الرقابة على الناقلين.

وقد عزز الفصل الخامس عشر من القانون عدد 48 لسنة 2024 المؤرخ في 9 ديسمبر 2024 والمتعلق بقانون المالية لسنة 2025 هذا الإطار بإحداث صندوق خاص يسمى صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات يتولى ضمان التغطية الاجتماعية والمساعدة على تحقيق الإدماج الاقتصادي لهذه الفئة. وأسند التصرف في الصندوق إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بمقتضى اتفاقية مع الوزارتين المكلفتين بالشؤون الاجتماعية والمالية كما عهد إلى البنك التونسي للتضامن بالتصرف في برامج الإدماج الاقتصادي بمقتضى اتفاقية مماثلة. وحدد الفصل موارد الصندوق في اعتماد من ميزانية الدولة في حدود خمسة ملايين دينار ومعلوم بنسبة واحد بالمائة من أقساط التأمين أو معاليم الاشتراك المتعلقة بجميع فروع التأمين بعد طرح الإلغاءات والأداءات ومعلوم قدره خمسة دنانير عن كل شهادة فحص فني تدفعه الوكالة الفنية للنقل البري ونسبة عشرة بالمائة من المبلغ الجملي للخطايا المرورية المستخلصة سنويا فضلا عن معاليم الخدمات التي تضبط بقرار من الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية والهبات والموارد الأخرى التي يجيزها القانون. ونص المشرع على عدم تحميل المعلوم المتعلق بالتأمين على مكتتبي العقود أو المشتركين في مؤسسات التأمين التكافلي كما أقر في الفصل السادس عشر امتيازا جبائيا يتعلق بمداخيل العاملات المنتفعات بتدخلات الصندوق لمدة عشر سنوات ابتداء من غرة جانفي من سنة الانتفاع. كما نص على إعفاء العربات المعدة لنقل العملة الفلاحيين من المعلوم المعني بالنص ما لم يتحصل أصحابها على رخصة أخرى تتعلق بنقل الأشخاص أو نقل البضائع.

وتكشف هذه الأرقام المالية عن أن المشرع لم يكتف بالإعلان عن حق اجتماعي وإنما حدد له موارد تمويل تتضمن اعتمادا عموميا يصل إلى خمسة ملايين دينار ومساهمة بنسبة واحد بالمائة من أقساط التأمين ومعلوما قدره خمسة دنانير عن شهادة الفحص الفني ونسبة عشرة بالمائة من الخطايا المرورية المستخلصة. وهذه الموارد يفترض أن تتحول إلى تدخلات قابلة للقياس في التغطية الاجتماعية والإدماج الاقتصادي والنقل الآمن. ومن هنا يطرح السؤال عن حجم الموارد التي تم تعبئتها فعليا منذ إحداث الصندوق وعن حجم ما تم صرفه لفائدة العاملات وعن عدد المنتفعات بالتغطية الصحية والاجتماعية وعن مدى إبرام الاتفاقيات بين الهياكل المكلفة بالتصرف وعن عدد المشاريع التي تمت مرافقتها أو تمويلها. فمن غير المقبول أن يظل الصندوق مجرد عنوان في قانون المالية من دون بيانات دورية تسمح بالتثبت من موارده وتدخلاته ونتائجه.

وفي 22 أكتوبر 2026 أكمل المرسوم عدد 4 لسنة 2024 عامه الثاني. وقد أفاد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان نشر يوم 25 أكتوبر 2026 بأن تنفيذ المنظومة لا يزال متعثرا بسبب عدم استكمال النصوص الترتيبية والتطبيقية اللازمة وفق قراءته للملف وذكر أن الأمر يتعلق بتسعة نصوص مطلوبة. كما سبق أن أثارت مطالب برلمانية في أوت 2026 ضرورة إصدار النصوص المتعلقة بصندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات بعد الإشارة إلى أن المنظومة لم تدخل حيز التطبيق الكامل على أرض الواقع. وهذه المعطيات تضع السلطات المعنية أمام واجب تقديم توضيحات رسمية حول الوضع التنفيذي الحالي وتحديد النصوص التي صدرت وتلك التي ما تزال قيد الإعداد والاتفاقيات التي أبرمت والإجراءات التي تم تطبيقها. ولا يصح اعتبار كل حق منصوص عليه معطلا بصورة مطلقة من دون مراجعة القرارات والإجراءات التي صدرت فعليا لكن التأكيدات الحقوقية والبرلمانية بشأن التعثر تستوجب ردا موثقا وأرقاما معلنة لا الاكتفاء بالتصريحات العامة.

كما يفرض الملف مراجعة علاقة التشريعات الاجتماعية بواقع التشغيل الفلاحي. فتدني الدخل وعدم استقرار العمل الموسمي وضعف التصريح ببعض العاملات وغياب البدائل الكافية للنقل يمكن أن يدفع النساء إلى قبول وسائل نقل غير آمنة خوفا من فقدان الأجر أو فرصة العمل. ولهذا فإن سياسة الحماية لا تتحقق فقط بمراقبة السائقين وإنما تستوجب كذلك تنظيم العلاقة الشغلية وضمان التصريح بالعاملات المستحقات للتغطية الاجتماعية ومراقبة احترام واجبات المؤجر حيث تنطبق الأحكام القانونية وتسهيل حصول العاملات على بطاقات الانتفاع بالنقل والحماية الاجتماعية. كما يتعين على الدولة والجهات المعنية ربط مواقع العمل الفلاحي بخدمات نقل قانونية بأسعار معقولة وتحديد المناطق التي تشهد أعلى مستويات الطلب على النقل خلال المواسم الزراعية حتى لا تتحول كلفة الخدمة أو بعدها إلى حجة لقبول المخاطر.

وتستند حماية العاملات إلى مبادئ دستورية واضحة. فالفصل الثاني والعشرون من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 يوجب على الدولة ضمان الحقوق والحريات وتهيئة أسباب العيش الكريم والفصل الثالث والعشرون يقرر المساواة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون والفصل الرابع والعشرون يكرس قداسة الحق في الحياة والفصل الخامس والعشرون يحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد. كما يقرر الفصل الثالث والأربعون أن الصحة حق لكل إنسان وأن الدولة تضمن الوقاية والرعاية الصحية وتوفر الإمكانيات اللازمة لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية وتضمن الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون. ويؤكد الفصل السادس والأربعون الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل. وتنسجم هذه المبادئ مع الالتزامات الدولية لتونس في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحماية المرأة الريفية وخاصة الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في ما يتعلق بظروف المرأة الريفية وانتفاعها بالخدمات والحماية. ولا تعني هذه الالتزامات أن الدولة تتحمل آليا مسؤولية كل حادث وإنما تؤكد أن بناء سياسات وقاية فعالة وإنفاذ النصوص ومحاسبة المخالفين جزء من واجب حماية الحقوق الأساسية.

وحتى لا يبقى حادث بلاريجيا مجرد خبر عابر فإن الأولوية تقتضي استكمال التحقيق الفني والقضائي وإعلان حصيلة رسمية نهائية للمصابين وتوضيح حالة العربتين ووثائقهما وتصنيفهما القانوني وتراخيص النقل وبطاقتي الاستغلال والفحص الفني وتجهيزات السلامة وعدد الركاب وظروف القيادة وحالة الطريق والطقس ومدى احترام السرعة ومسافة الأمان. كما يجب تحديد المسؤوليات بدقة ومحاسبة كل من تثبت مخالفته في حدود القانون وتمكين المصابات من معرفة حقوقهن في العلاج والتغطية والتعويض ومتابعة ملفاتهن الاجتماعية والمهنية. وعلى الجهات المختصة أن تعتمد مراقبة دورية وفجئية للعربات المخصصة لنقل العاملات وأن تنشر حصيلة شهرية أو فصلية تتضمن عدد العربات المرخص لها وعدد العربات التي خضعت للفحص الفني وعدد المخالفات المسجلة وعدد عمليات المراقبة والإجراءات المتخذة وعدد الحوادث والوفيات والإصابات. كما ينبغي إنشاء آلية تنسيق واضحة بين مصالح النقل والداخلية والحرس الوطني والمرور والفلاحة والشؤون الاجتماعية والسلطات الجهوية حتى لا تضيع المسؤوليات بين الإدارات.

إن حماية العاملات الفلاحيات لا تتحقق بزيادة النصوص وحدها ولا بكثرة الحملات التحسيسية ولا بالتضامن الذي يظهر عقب الحوادث ثم يخفت. إنها تتحقق عندما تكون كل عربة مطابقة وكل رحلة منظمة وكل سائق مستوفيا للشروط وكل مخالفة قابلة للكشف والردع وعندما تستطيع العاملة الحصول على خدمة نقل آمنة دون أن تهدد مورد رزقها أو تضطر إلى قبول الخطر. وإذا كان القانون عدد 51 لسنة 2019 قد نظم نقل العملة الفلاحيين والأمر الحكومي عدد 724 لسنة 2020 قد ضبط شروط النشاط والمرسوم عدد 4 لسنة 2024 قد أقر نظاما خاصا للحماية الاجتماعية ثم جاء قانون المالية لسنة 2025 ليخصص موارد للصندوق وامتيازات للعاملات فإن الواجب الآن هو تحويل هذه المنظومة إلى نتائج قابلة للقياس والإعلان. فأين وصلت التراخيص والبطاقات؟ وكم عاملة انتفعت بالتغطية الاجتماعية؟ وكم عربة نقل فلاحي خضعت للمراقبة؟ وكم مخالفة تم ردعها؟ وما المبلغ الذي تم صرفه فعليا من موارد الصندوق؟ ومتى تستكمل النصوص التطبيقية المتبقية وتضبط رزنامة التنفيذ؟ إن هذه الأسئلة ليست مطالبة إعلامية عابرة بل هي أساس المساءلة عن حقوق أقرها القانون وأموال خصصت لها وواجبات يجب تنفيذها.

إن حادث بلاريجيا يجب أن يكون نقطة تحول في التعامل مع ملف النقل الفلاحي في جندوبة وفي بقية الولايات. فالأرقام الوطنية التي تجاوزت 1133 قتيلا في حوادث المرور إلى غاية 26 أكتوبر 2026 ورصد 18 حادث نقل فلاحي خلّفت 10 وفيات خلال الفترة من نوفمبر 2024 إلى أكتوبر 2026 وفق المنتدى تعطي مؤشرات كافية لضرورة تعزيز الوقاية وتطوير الرقابة واستكمال الحماية الاجتماعية. ولا يمكن أن تظل المرأة التي تعمل في الحقول خارج التغطية الفعلية أو رهينة نقل لا تتوفر فيه شروط السلامة بسبب هشاشة دخلها أو غياب البدائل. إن العاملات الفلاحيات يساهمن في أمن البلاد الغذائي ويدعمن الاقتصاد الجهوي والوطني ومن واجب الدولة والمؤجرين والناقلين وكل طرف يتحمل التزاما قانونيا تجاههن أن يضمنوا لهن الحد الأدنى من السلامة والكرامة. فالقانون الذي لا ينفذ يفقد جزءا من أثره والحق الذي يتأخر تطبيقه لا يحمي صاحبته عند الحاجة إليه. وأرواح العاملات ليست كلفة جانبية للإنتاج وليست أرقاما تضاف إلى إحصائيات المرور وإنما هي مسؤولية قانونية واجتماعية تستوجب الفعل قبل وقوع الحادث والمحاسبة عند ثبوت التقصير والإصلاح الذي يمنع تكرار المأساة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى