ثورة يونيو… هل ستكون آخر الثورات؟ ثورة يونيو… الحلم أم الحقيقة؟

بقلم: نهلة سليم

صحفية بالإعلام الألماني

عضو نقابة الصحفيين الألمان (DJV)

 

الذين يعرفونني جيداً يعلمون أنني لم أعتد يومًا أن أمدح أحدًا لمجرد القرب أو المجاملة، ولم أهاجم أحدًا بدافع الخصومة. كنت وما زلت أراجع مواقفي باستمرار، لأن الوطن أكبر من الأشخاص، ولأن الأمانة تقتضي أن نقول ما نراه حقًا

 

وفي الحقيقة، فإن الإعلامي أو الصحفي الحر هو الذي ينقل ما يعانيه الشعب إلى الحاكم بصدق وأمانة، لا الذي ينشغل بتبرير كل ما يفعله الحاكم للمحكوم. فوظيفة الصحافة أن تكون صوت الناس، وأن تنقل آمالهم وآلامهم إلى صانع القرار، لأن الإصلاح يبدأ عندما تصل الحقيقة كاملة إلى من يملك مسؤولية اتخاذ القرار

 

لقد دعمت الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ اللحظة الأولى، داخل مصر وخارجها، ودافعت عن الدولة المصرية في أصعب الظروف، وكان ذلك نابعًا من قناعة بأن الوطن كان يحتاج إلى الاستقرار واستعادة مؤسساته. ولم أندم على أنني وقفت إلى جانب بلدي في لحظة مصيرية.

 

لكن حب الوطن لا يعني التوقف عن طرح الأسئلة.

 

واليوم، ونحن نستعيد ذكرى الثلاثين من يونيو، يفرض سؤال نفسه بقوة:

 

هل حققت ثورة يونيو كل ما خرج من أجله الشباب؟

 

أتذكر جيدًا تلك الأيام، عندما كان الشباب يملأ الميادين وهو يحمل أملاً كبيرًا في مستقبل أفضل. كانوا يحلمون بدولة قوية، وعدالة اجتماعية، وفرص عمل، وتعليم حديث، وخدمات تليق بالمواطن، وحياة كريمة تحفظ إنسانية الجميع.

 

لقد تحقق الكثير على مستوى بناء الدولة واستعادة الأمن وتنفيذ مشروعات قومية ضخمة، وهذا لا يمكن إنكاره. ولكن في المقابل، لا يزال كثير من الشباب يواجه تحديات اقتصادية صعبة، وارتفاعًا في تكاليف المعيشة، وصعوبة في تحقيق أحلامه التي خرج من أجلها قبل سنوات.

 

وهنا يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا.

 

فنجاح أي ثورة لا يقاس فقط بما تمنعه من أخطار، وإنما أيضًا بما تمنحه للأجيال القادمة من أمل وفرص حقيقية.

 

إن الشباب الذي خرج في 30 يونيو أصبح اليوم في الثلاثينيات والأربعينيات من عمره. لم يعد يبحث عن الشعارات، بل عن مشروع حياة. يريد أن يعمل، وينتج، ويبدع، ويؤسس أسرة، ويعيش بكرامة في وطنه.

 

ولهذا فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، وإنما إلى ثورة من نوع آخر.

 

ثورة في الإدارة.

 

ثورة في التعليم.

 

ثورة في الصناعة.

 

ثورة في الاستثمار في الإنسان المصري.

 

نحتاج إلى مدارس تُخرج أجيالًا قادرة على المنافسة، وإلى جامعات تواكب العصر، وإلى تدريب حقيقي للشباب، وإلى مصانع تفتح أبوابها لهم، وإلى اقتصاد يعتمد على الإنتاج والتصدير لا على الاستيراد والاستهلاك.

 

أتمنى أن يأتي اليوم الذي نرى فيه منتجات تحمل بفخر عبارة:

 

“صُنع بأيدي أبناء مصر”.

 

كما أتمنى أن تكون الأولوية دائمًا للمواطن المصري في الاستفادة من خيرات وطنه، وأن تبقى الأرض المصرية مصدرًا للتنمية التي يشعر بثمارها كل مواطن.

 

إن الثورة الحقيقية ليست دائمًا خروج الناس إلى الشوارع، بل قد تكون مراجعة الدولة لنفسها، وتطوير سياساتها، والاستماع إلى المواطنين، وتصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات.

 

ولهذا أقول إن مصر لا تحتاج إلى ثورات جديدة إذا كانت مؤسساتها قادرة على التجديد والإصلاح المستمر، وإذا كانت الحكومة تعتبر نفسها في حالة مراجعة دائمة، تعمل كل يوم من أجل تحسين حياة الناس.

 

أما إذا توقف الإصلاح، وغابت المراجعة، وضاع الأمل، فإن التاريخ يعلمنا أن الشعوب تبحث دائمًا عن وسائل جديدة للتعبير عن تطلعاتها.

 

أتمنى أن تكون ثورة يونيو آخر الثورات، لا لأن الناس فقدت حقها في التغيير، بل لأن الدولة أصبحت قادرة على تحقيق التغيير بنفسها، وبشكل مستمر، من أجل شعبها.

 

فالوطن الذي يحفظ كرامة أبنائه، ويمنحهم الفرصة العادلة، ويستثمر في عقولهم، لا يحتاج إلى ثورة كل عقد من الزمان، بل يحتاج إلى عمل لا يتوقف، وإرادة لا تتراجع، وإيمان بأن الإنسان المصري هو أعظم ثروة تملكها هذه الدولة.

 

فهناك محطات في عمر الأوطان لا تُقاس بالسنوات، وإنما بما تتركه في وجدان الشعوب. وتبقى ثورة الثلاثين من يونيو واحدة من تلك المحطات التي سيظل المصريون يختلفون حول تفاصيلها، لكنهم يتفقون على أنها كانت يومًا فارقًا في تاريخ الدولة المصرية

 

رحم الله شهداء الوطن، وحفظ مصر، وألهم أبناءها وحكامها دائمًا طريق الحكمة والإصلاح، حتى تبقى ثورة يونيو ذكرى لبداية بناء دولة قوية، لا محطةً تسبق ثورة جديدة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى