انحسار النيل يوقظ مخاوف “العطش” في السودان.. ماذا عن مصر ؟

جمال عبد القادر البدوي – صحفي سوداني
على رغم تطمينات وزارة الزراعة والري للمواطنين والمزارعين بخضوع الموقف المائي للرصد والمراقبة المستمرين، لا تزال المخاوف من تأثر المشاريع الزراعية المروية ماثلة في حال استمر الانحسار وضعف إيرادات المياه لفترة أطول ربما حتى نهاية أغسطس المقبل.
شكلت موجة الانحسار المفاجئ لتدفقات مياه النيل الأزرق ونهر النيل الرئيس، وتراجع المناسيب على طول امتداده من الخرطوم بنحو ثلاثة أمتار وحتى الولاية الشمالية بنحو 15 متراً في بعض مناطقها هاجساً مؤرقاً للسودانيين، بخاصة بعد توقف عدد من محطات ضخ مياه الشرب النيلية عن الخدمة، وتأثر عدد من المشروعات الصغيرة التي تعتمد ضخ الطلمبات.
مخاوف ممتدة
لم يقتصر تراجع مناسيب النيل، على محطات مياه الشرب بابتعاد المجرى الرئيس من مواقع مضخاتها، وعلى رأسها محطتا الصالحة والخرطوم بحري، إذ امتدت المخاوف أيضاً إلى القطاع الزراعي بدرجات متفاوتة، بحيث تأثر جزئياً بعض محطات مياه المشاريع المروية وواجه بعضه صعوبة في تشغيل المضخات نتيجة ابتعاد المياه من مآخذها.
وعلى رغم تطمينات وزارة الزراعة والري للمواطنين والمزارعين بخضوع الموقف المائي للرصد والمراقبة المستمرين، بما يحافظ على استقرار الإمداد المائي ودعم نجاح الموسم الزراعي، لا تزال المخاوف من تأثر المشاريع الزراعية المروية ماثلة في حال استمر الانحسار وضعف إيرادات المياه لفترة أطول ربما حتى نهاية أغسطس (آب) المقبل، بحسب اختصاصيين.
مرحلة جديدة
وفيما تؤكد السلطات السودانية أن الوضع الحالي لا يهدد الأمن المائي للبلاد، يرى متخصصون أن ظاهرة الانحسار الحالية غير المسبوقة تاريخياً، تعد مؤشراً على مرحلة جديدة في إدارة الموارد المائية بالسودان، إذ تجاوزت التعقيدات مسألة كميات المياه الواردة إلى اضطراب التدفقات وسرعة تغييرات المناسيب، مما يتطلب سياسات مائية تواكب المتغيرات التي ترتبت على ملء وتشغيل سد النهضة بشكل أحادي من جانب إثيوبيا.
ويرى وزير الري السوداني السابق، عثمان التوم، أن المشكلة لم تعد مقتصرة على كمية المياه السنوية، بل أصبحت مرتبطة بتوقيت وصولها وسرعة إطلاقها، إذ إن أي اضطراب مفاجئ يربك محطات الشرب والري وتشغيل السدود السودانية الواقعة خلف المنشأة الإثيوبية، بخاصة بعد أن غيّر السد نمط تدفقات النيل الأزرق، وباتت إثيوبيا تحجز المياه حالياً وتمرر كميات محدودة تكفي لتشغيل عدد من توربينات توليد الكهرباء.
تحوطات مبكرة
وعلى رغم التوقعات بتحسن الإيرادات خلال الأشهر المقبلة، لكن المتخصص في الشأن الزراعي الشيخ محجوب يؤكد ضرورة التحوط المبكر لتأمين حاجات المشروعات المروية، بخاصة إذا استمر انخفاض مناسيب النيل لفترة طويلة ولم ترتفع الإيرادات مع تقدم موسم الأمطار، وفي مقدمتها مشروع الجزيرة الأكبر بالبلاد والأكثر عرضة للتأثر لحاجته إلى كميات ضخمة من المياه.
لا يستبعد محجوب، أن ينعكس أي انخفاض في مياه النيل الأزرق أو خزان سنار بشكل مباشر على عمليات الري أيضاً بمشروعي الرهد والسوكي المعتمدين على مياهه، فضلاً عن مشروع حلفا الجديدة، المعتمد على خزان خشم القربة، مشيراً إلى أن التأثير المتوقع على المشروعات النيلية الصغيرة والطلمبات الزراعية من منطقة لأخرى، فقد يتضرر بعضها مبكراً لأن انخفاض المنسوب قد يجعل المضخات غير قادرة على سحب المياه من دون تعديل أو إطالة مآخذها.
الموقف بالجزيرة
من جهته، يشير مدير مشروع الجزيرة الزراعي، إبراهيم مصطفى، إلى استقرار موقف الري وتأمين الإمداد المائي للموسم الزراعي الحالي بالمشروع، مؤكداً أن التدفقات المائية الحالية تبلغ نحو 34 مليون متر مكعب، على رغم ما يُثار في شأن التذبذب في مناسيب مياه النيل الأزرق.
ويوضح مصطفى، خلال جولة ميدانية للوقوف على مستويات المياه ومتابعة انسيابها إلى مناطق المشروع المختلفة من الخزان، أن الوضع المائي يمضي بصورة مطمئنة، مشيراً إلى أن الأمطار حتى وإن كانت محدودة الهطول فهي تسهم في تخفيف الضغط على عمليات الري. ويؤكد أن المشروع ظل يتعامل مع التذبذبات المائية والأمطار ضمن الظواهر الطبيعية عبر عقود طويلة.
مسار جديد
وعقب خروج محطتي مياه منطقة الصالحة بأم درمان وشمال بحري بولاية الخرطوم عن الخدمة موقتاً، بسبب ابتعاد المجرى المائي من مضخات السحب، اضطرت هيئة المياه إلى فتح مسار جديد من داخل مجرى النيل لإيصال المياه إلى مدخل المحطة، بجانب معالجات عاجلة شملت إزالة الترسبات وشق قنوات صغيرة جديدة، مع بحث ودراسة حلول دائمة، بينها تعديل مواقع المآخذ وإنشاء مصادر بديلة للإمداد.
وتفقد المدير التنفيذي لمحلية أم درمان العمل الجاري في معالجة مشكلة انحسار مياه النيل عن المحطة التي توقفت عن الضخ منذ ثلاثة أيام وسط توقعات باستئناف عملها خلال الساعات المقبلة.
وطمأن بيان لوزارة الزراعة والري بأن تشغيل الخزانات يجري وفق أسس علمية وتشغيلية دقيقة تكفل سلامة المنشآت المائية، وتضمن تأمين الحاجات المائية للمواطنين والقطاع الزراعي.
تحولات التصرفات
يقول بيان لوزارة الزراعة السودانية إن إدارة الخزانات رصدت انخفاضاً موقتاً في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص، خلال الفترة من السابع إلى التاسع من يوليو (تموز) الجاري، إذ انخفض من 207 ملايين متر مكعب يومياً إلى 129 مليوناً، أي بنقص بلغ 76 مليون متر مكعب في اليوم، الأمر الذي انعكس على التصريف خلف خزان الروصيرص بانخفاض قدره 100 مليون متر مكعب يومياً، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يومياً.
وتوضح إدارة الخزانات أن الانخفاض أدى بدوره إلى هبوط موقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات الرئيسة، شملت الروصيرص (1.50 متر)، ود العيس (1.70 متر)، ود مدني (1.60 متر)، الخرطوم (1.08 متر)، الحلفايا (94 سم)، شندي (54 سم). ومع ذلك، تشير الإدارة إلى أن المناسيب بالمناطق الواقعة شمال الخرطوم لا تزال أعلى من مستوياتها المسجلة خلال عام 2025 وحتى منتصف يوليو الجاري.
وينبه بيان وزارة الزراعة إلى أن الانخفاض انعكس على التصريف خلف خزان الروصيرص بما قدره 100 مليون متر مكعب يومياً، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يومياً خلال الفترة من السابع إلى العاشر من الشهر الجاري، ما أدى بدوره إلى هبوط موقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات الرئيسة، شمل الروصيرص، وود العيس، وود مدني، والخرطوم، والحلفايا، وشندي.
عزت الوزارة، انخفاض المناسيب إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال هذه الفترة، منوهة إلى أن انحسار وفيضان مياه النيل وفروعه ظاهرة طبيعية، إلا أن سد النهضة أدى إلى تغيير في هيدرولوجيا النهر.
وطمأنت وزارة الزراعة السودانية المواطنين والمزارعين بأن الموقف المائي يخضع لرصد ومراقبة مستمرين، وأن تشغيل الخزانات يجري وفق أسس علمية وتشغيلية دقيقة تكفل سلامة المنشآت المائية، وتضمن تأمين الحاجات المائية للمواطنين والقطاع الزراعي، بما يحافظ على استقرار الإمداد المائي ودعم نجاح الموسم الزراعي. وتابع البيان، “سجل إيراد النيل الأبيض ومناسيبه حتى منتصف يوليو الجاري، معدلات أعلى من المتوسط العام ومن مستويات العام السابق، بما يؤكد أن الوضع المائي العام لا يزال مستقراً ومطمئناً”.
الاتفاق والكوارث
في السياق يوضح المتخصص الدولي في مجال المياه والقانون الدولي، والعضو السابق في وفد السودان والمستشار القانوني لمفاوضات حوض النيل، أحمد المفتي، أن الانحسار غير المسبوق في مياه النيل الذي يشهده السودان ناتج من منع سد النهضة انسياب المياه كما في السابق.
ويرى المفتي أنه من الطبيعي أن يؤدي ملء وتشغيل خزان بسعة تتجاوز 60 مليار متر مكعب، بما يفوق الإيراد السنوي للنيل الأزرق، من دون تنسيق مسبق مع دولتي المصب، إلى كوارث سواء في صورة فيضانات أو انحسار كما يحدث الآن، مما يؤكد أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة.
ويشير إلى أن السودان قبل قيام السد كان يعتمد في إدارة سدوده والتحكم في إدارة المياه على المتابعة الدقيقة لقراءات الفيضان الطبيعي، لكن عقب اكتمال ملء السد فإن أي كميات من الأمطار تهطل في إثيوبيا ولا تحتاجها، ستنساب إلى دولتي المصب، ما سيتسبب في فيضانات.
تأثر الحصص
وفي شأن مدى تأثير حجز المياه بسبب سد النهضة على حصص المياه التاريخية لكل من مصر والسودان بموجب اتفاقية قسمة المياه لعام 1959، يوضح المفتي، أن إثيوبيا لا علاقة لها بتلك الاتفاقية، وهي أصلاً لا تعترف بها من قبل ظهور سد النهضة إلى حيز الوجود، بل لو كان الأمر بيدها لكانت تعدت على حصص البلدين المقرة بموجب تلك الاتفاقية، لكن حتى بعد قيام سد النهضة فشلت إثيوبيا في حجز المياه التي تكفي حصتي كل من السودان ومصر.
ويؤكد أن “كل ما تفعله إثيوبيا الآن هو تشغيل سد النهضة من دون تنسيق مع دولتي المصب، بما يحدث فيضانات وانحسارات تضر بالسودان، لأن إدارة السدود بعد سد النهضة تتطلب تنسيقاً بين الخرطوم وأديس أبابا نظراً لصغر حجم السدود السودانية بشدة، فأكبرها هو سد الروصيرص بسعة 7.5 مليار متر مكعب، في حين تجاوز المخزون في سد النهضة 60 مليار متر مكعب وهو أكثر من كل الإيراد السنوي القادم من إثيوبيا”.
وكانت السعة التخزينية لخزان الروصيرص بالنيل الأزرق على الحدود الإثيوبية، نحو ثلاثة مليارات متر مكعب قبل اكتمال عمليات تعليته خلال عام 2013 لترتفع إلى 7.5 مليار متر مكعب.
ووقعت اتفاقية مياه النيل الثنائية بين مصر والسودان، في القاهرة خلال الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1959، لتنظيم الانتفاع الكامل بـ 84 مليار متر مكعب من المياه، جرى تخصيص 55.5 مليار متر مكعب لمصر، و18.5 مليار متر مكعب للسودان.
جفاف وفيضانات
كانت الهيئة المعنية بالأرصاد الجوية والإنذار المبكر التابعة لمنظمة (إيغاد) حذرت من تعرض أجزاء واسعة من القرن الأفريقي، بما في ذلك السودان، لموجة جفاف أشد من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة خلال موسم الأمطار الرئيس الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول).
وتوضح المنظمة، في تقريرها الموسمي، أن المناطق الشمالية والاستوائية من القرن الأفريقي ستشهد أمطاراً أقل من معدلاتها المعتادة، فيما سيشهد النصف الثاني من هذا العام تبايناً مناخياً حاداً، يُتوقع معه أن تتحول الأوضاع خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) إلى أمطار تفوق المعدلات الطبيعية في المناطق الاستوائية والجنوبية من القرن الأفريقي، بما يرفع احتمالات حدوث فيضانات وسيول واسعة.



