التربية الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي: من حق الوصول إلى حق التمكين

بقلم الدكتورة بسنت احمد لبيب
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية واعدة، بل أصبح ركيزةً تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والمعرفة. وفي قضية ذوي الاحتياجات الخاصة، تكشف الأرقام حجم الفجوة التي ينبغي سدّها: فبحسب منظمة الصحة العالمية، يعيش نحو 1.3 مليار شخص حول العالم مع شكلٍ من أشكال الإعاقة، أي ما يقارب 16% من سكان العالم، بينما تشير تقديرات WHO وUNICEF إلى أن أكثر من 2.5 مليار شخص يحتاجون إلى منتج أو أداة مساعدة واحدة على الأقل، ولا يحصل ما يقرب من مليار منهم على ما يحتاجونه بالفعل.
هذا وحده يكفي لفهم أن القضية ليست هامشًا إنسانيًا، بل ملفًا عالميًا من ملفات العدالة الاجتماعية والمعرفية. فحين يعجز شخصٌ عن الوصول إلى محتوى تعليمي أو إعلامي بصيغة مناسبة له، فإن المشكلة لا تكون في قدراته، بل في البنية التي صُمم بها المحتوى نفسه. ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي، إذا أُحسن توظيفه، يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة توزيع فرص المعرفة بصورة أكثر إنصافًا.
في أوروبا وحدها، أظهرت بيانات يوروستات 2024 أن 87.2% من الأشخاص ذوي الإعاقة استخدموا الإنترنت خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، مقارنةً بـ 95.2% من الأشخاص غير ذوي الإعاقة. هذه الفجوة الرقمية، وإن بدت محدودة في ظاهرها، تكشف معنى أعمق: ليس كل وصول رقمي يعني وصولًا فعليًا للمعرفة، ولا كل اتصال بالإنترنت يعني قدرة حقيقية على الفهم، والتفاعل، والإنتاج.
وهنا تتجلى أهمية التربية الإعلامية. فالمسألة لا تقتصر على تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من مشاهدة المحتوى أو قراءته، بل تتعلق بتمكينهم من فهم الرسالة الإعلامية، وتحليلها، ونقدها، وإعادة إنتاجها. وهذا التحول من الاستقبال السلبي إلى المشاركة الفاعلة هو جوهر التربية الإعلامية الحديثة، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداةً مفصلية إذا استُخدم ضمن تصميم شامل يراعي الفروق الفردية وحقوق المستخدمين.
لقد أتاح الذكاء الاصطناعي بالفعل إمكانات لم تكن متاحة بهذا الاتساع من قبل: تحويل النص إلى كلام، والتوصيف الصوتي للمحتوى المرئي، وتبسيط اللغة، والتلخيص التلقائي، وإتاحة واجهات تفاعلية أكثر مرونة. وتؤكد التقارير الدولية أن هذه الأدوات قادرة على دعم الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة، خصوصًا في مجالات التواصل والإدراك والتعلم. لكن هذه الوعود لا تتحقق تلقائيًا. فالتقنية وحدها لا تضمن العدالة، وقد تعيد إنتاج عدم المساواة إذا بُنيت على بيانات منحازة، أو صُممت بعيدًا عن احتياجات المستخدمين الحقيقيين.
ومن هنا، فإن المشكلة ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في منطق تصميمه. هل يُبنى على فكرة المستخدم “المتوسط” ويترك من يختلفون عنه على الهامش؟ أم يُصمم منذ البداية ليكون متعدد الصيغ، قابلاً للتكيّف، ومفتوحًا أمام التنوع البشري؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت التقنية ستصبح أداة دمج أو وسيلة استبعاد ناعمة.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نتحدث عن المنصات الرقمية، لأنها أصبحت المصدر الأوسع للمعرفة والترفيه والتأثير الثقافي.
فإذا لم تكن هذه المنصات قابلة للوصول الكامل، فإنها لا تحرم ذوي الاحتياجات الخاصة من الخدمة فحسب، بل تحرمهم من موقعهم في المجال العام. وهنا تظهر التربية الإعلامية بوصفها حقًا لا رفاهية: حق في الفهم، وحق في النقد، وحق في التعبير، وحق في أن يكون الإنسان حاضرًا في صناعة المعنى، لا مجرد متلقٍ لها.
لكن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يمكن النظر إليه باعتباره حلًا مستقلًا بذاته، بل كأداة تتحدد قيمتها وفق الطريقة التي تُصمم وتُوظف بها. فإتاحة المحتوى لذوي الاحتياجات الخاصة لا ينبغي أن تُعامل بوصفها ميزة تقنية إضافية، وإنما باعتبارها جزءًا من الحق في المعرفة والمشاركة داخل المجال العام.
ومن ثم، فإن مستقبل التربية الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بتطور الخوارزميات، بل بمدى قدرة المؤسسات التعليمية والإعلامية والتقنية على تبني تصميمات أكثر شمولًا وعدالة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك أدوات ذكية، وإنما في ضمان أن تُسهم هذه الأدوات في تقليص الفجوات المعرفية بدلًا من إعادة إنتاجها بصورة رقمية جديدة.
وفي هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة التفكير في مفهوم الوصول ذاته: ليس باعتباره مجرد قدرة على استخدام التقنية، بل باعتباره قدرة فعلية على الفهم، والتفاعل، والمشاركة، وصناعة المعنى على قدمٍ من المساواة مع الآخرين.



