الاتفاق اللبناني الإسرائيلي … بين الانبطاح والمقاومة

بقلم: ناصر السلاموني
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاء الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة ليشكل تحولًا لافتًا في مسار الصراع على الجبهة اللبنانية. فقد قدمته واشنطن باعتباره خطوة نحو الأمن والاستقرار، ورأت فيه الحكومة اللبنانية فرصة لاستعادة دور الدولة ومؤسساتها، بينما اعتبرته إسرائيل إنجازًا استراتيجيًا يحقق، عبر التفاوض، مكاسب تقول إنها عجزت العمليات العسكرية وحدها عن تحقيقها. وفي المقابل، قوبل الاتفاق برفض واسع من حزب الله وعدد من القوى السياسية والدينية، التي رأت فيه اتفاقًا يفرض وقائع جديدة على لبنان أكثر مما يؤسس لسلام متوازن.
وبقراءة بنود الاتفاق، يتضح أن أبرز ما ينص عليه هو انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق في جنوب لبنان، مقابل انتشار الجيش اللبناني وتوليه المسؤولية الأمنية، وإنشاء آلية تنفيذ ومراقبة برعاية أمريكية، مع حصر السلاح بيد الدولة، وربط استكمال الانسحاب بمعالجة ملف السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.
وتؤكد الإدارة الأمريكية أن الهدف من الاتفاق هو تثبيت الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وتمكين الجيش اللبناني من بسط نفوذه على الجنوب، مع تقليص نفوذ الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله. ويكشف ذلك أن واشنطن لا تؤدي دور الوسيط فحسب، بل تضطلع أيضًا بدور مباشر في متابعة تنفيذ الاتفاق والإشراف على آلياته.
أما إسرائيل، فقد أوضحت بجلاء رؤيتها لهذا الاتفاق. فقد أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستواصل البقاء في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان لضمان أمن مستوطنات الشمال إلى حين نزع سلاح حزب الله، وأن الاتفاق يتضمن منطقتين أمنيتين تجريبيتين لتنفيذ هذه الترتيبات، معتبرًا أن ما تحقق جاء نتيجة الضربات العسكرية التي وجهتها إسرائيل إلى الحزب، وأن الاتفاق يمثل ضربة مباشرة لإيران ومحورها. كما أعلن أن الجيش الإسرائيلي سيواصل تدمير البنية التحتية للحزب، وأن أمامه “عملًا كثيرًا” لم ينجزه بعد، في حين لا يزال الجدول الزمني للانسحاب الكامل من الجنوب غير واضح.
وأعلنت الحكومة اللبنانية أن الاتفاق يمثل انتصارًا للحل الدبلوماسي، وفرصة لاستعادة سلطة الدولة على الجنوب، بينما رأى مؤيدوه أن حصر السلاح بيد الدولة يعزز سيادتها ويجنب لبنان الدخول في حروب متكررة.
غير أن المعارضة الداخلية جاءت قوية؛ فقد وصف الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الاتفاق بأنه “منعدم الوجود” و”سقطة مريعة”، معتبرًا أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة يمثل تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء. كما شهدت بيروت وعددًا من المناطق احتجاجات رافضة للاتفاق، واعتبرت قوى سياسية ودينية أن بعض بنوده تمنح إسرائيل هامشًا أوسع للتأثير في القرار الأمني اللبناني.
وزادت التطورات الميدانية من حدة الجدل، إذ استمرت الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان حتى بعد الإعلان عن الاتفاق، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى قدرته على وقف التصعيد، وما إذا كان يمثل بداية لسلام حقيقي، أم مجرد إطار جديد لإدارة الصراع وفق ترتيبات أمنية مختلفة.
ولا يمكن فصل هذا الاتفاق عن المشهد الإقليمي الأوسع، إذ أصبح لبنان أحد أبرز ملفات الصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، كما أن الحديث الأمريكي عن تقليص نفوذ حزب الله يتقاطع مع الضغوط المتزايدة على طهران وحلفائها في المنطقة، وهو ما يجعل الاتفاق جزءًا من إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وليس مجرد تفاهم ثنائي بين لبنان وإسرائيل.
وتطرح هذه المعطيات مجموعة من الأسئلة الجوهرية. فإذا كانت إسرائيل ما تزال تنفذ غاراتها العسكرية، وتعلن أنها ستبقى داخل الأراضي اللبنانية حتى يتحقق نزع سلاح حزب الله، فمن يضمن تنفيذ الانسحاب الكامل؟ وهل سيكون الانسحاب التزامًا ثابتًا، أم سيظل مرتبطًا بالشروط الأمنية التي تفرضها إسرائيل؟
كما يثير الاتفاق تساؤلات لا تقل أهمية حول المسؤولية عن نتائج الحرب. فمن سيتحمل إعادة إعمار ما دمرته العمليات العسكرية؟ ومن سيتولى علاج آلاف المصابين؟ ومن سيعوض أسر الشهداء؟ وحتى الآن، لا تتضمن البنود المعلنة أي التزام إسرائيلي واضح بتحمل هذه المسؤوليات، وهو ما يترك العبء الأكبر على الدولة اللبنانية والدول المانحة.
ومن هنا يثار جدل واسع حول طبيعة الاتفاق، إذ يضع الطرفين ضمن إطار أمني واحد تتقاطع فيه الترتيبات التي تلتزم بها الدولة اللبنانية مع الهدف الإسرائيلي المعلن المتمثل في إنهاء القوة العسكرية لحزب الله. ولهذا يرى معارضو الاتفاق أنه يمنح إسرائيل، عبر التفاوض، مكاسب استراتيجية كانت تسعى إلى تحقيقها بالحرب، بينما يرى مؤيدوه أنه يمثل خطوة نحو إعادة القرار الأمني إلى مؤسسات الدولة اللبنانية.
ويبقى هذا الاتفاق، رغم ما يحمله من وعود بوقف التصعيد، اختبارًا حقيقيًا لاحترام سيادة لبنان والالتزام بالقانون الدولي. فإذا التزمت جميع الأطراف بوقف الأعمال العسكرية، وانسحبت إسرائيل انسحابًا كاملًا، ووُضعت آليات عادلة لمعالجة آثار الحرب وإعادة الإعمار، فقد يشكل الاتفاق بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار. أما إذا استمرت الغارات، وتأخر الانسحاب، وظلت الالتزامات غير متوازنة، فسيبقى الاتفاق موضع جدل، وستظل الوقائع على الأرض هي المعيار الحقيقي للحكم على نجاحه أو إخفاقه.



