«غاندي وقضايا العرب والمسلمين» في ندوة وتوقيع بمؤسسة الأهرام

«غاندي وقضايا العرب والمسلمين» في ندوة وتوقيع بمؤسسة الأهرام
من سيرة رجل آمن بقوة اللاعنف إلى أسئلة العدالة والتعايش.. قراءة ثقافية في إرث غاندي وعلاقته بالعرب والمسلمين
كتب: طه المكاوي
ثمة شخصيات لا تنتهي حكايتها بانتهاء زمنها، ولا تنحصر دلالاتها في حدود المكان الذي شهد ميلادها أو الأحداث التي صنعت شهرتها؛ إذ تظل أفكارها مفتوحة على أسئلة جديدة، تستدعيها الأجيال كلما وجدت في الحاضر ما يدعو إلى العودة إلى صفحات التاريخ. ومن بين هذه الشخصيات يبرز المهاتما غاندي، الذي ارتبط اسمه بالمقاومة السلمية واستقلال الهند، لكنه يظل أيضًا موضوعًا لقراءات متعددة تتناول مواقفه من الأديان والشعوب وقضايا الحرية والعدالة.


ومن هذا الأفق الفكري، احتضنت مؤسسة الأهرام، مساء الأحد 25 أكتوبر، ندوة ثقافية وحفل توقيع الطبعة القاهرية الأولى من كتاب «غاندي وقضايا العرب والمسلمين»، للكاتب والمفكر البحريني عبدالنبي الشعلة، في لقاء جمع بين التاريخ والفكر والحوار الحضاري، واستضافته قاعة هيكل بالتعاون مع سفارة الهند بالقاهرة وجمعية الصداقة المصرية الهندية وصالون «في حضرة الإبداع».

وشهدت الأمسية حضورًا دبلوماسيًا وثقافيًا لافتًا، من بينه الدكتور منجي بدر، الوزير المفوض بجامعة الدول العربية، والوزير المفوض حيدر طارق الجبوري، إلى جانب نخبة من المهتمين بالشأن الثقافي والتاريخي، في مناسبة تجاوزت الاحتفاء بصدور طبعة جديدة من كتاب، لتفتح نافذة على تجربة إنسانية وسياسية لا تزال تثير النقاش بعد عقود طويلة من رحيل صاحبها.
حين يستعيد التاريخ أسئلته
لم يكن غاندي مجرد قائد لحركة تحرر وطني، ولا رمزًا للمقاومة التي اختارت اللاعنف طريقًا لمواجهة الاستعمار؛ فقد كانت حياته مجالًا لتجاذبات سياسية وفكرية وأخلاقية، ارتبط بعضها بموقع الهند في العالم، وبعضها الآخر بالعلاقات بين مكوناتها الدينية والاجتماعية، وبالمواقف التي اتخذها من قضايا شعوب أخرى.

ومن هنا تنبع أهمية كتاب عبدالنبي الشعلة؛ فهو لا يكتفي باستعادة ملامح السيرة المعروفة، وإنما يتجه إلى منطقة أقل حضورًا في التداول العام، تتمثل في مواقف غاندي من العرب والمسلمين، ورؤيته للإسلام، وما أبداه من تقدير للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن قضايا المسلمين في الهند وجنوب أفريقيا، وموقفه من القضية الفلسطينية.

إنها محاولة لقراءة شخصية تاريخية من زاوية تتصل مباشرة بذاكرة المنطقة العربية والإسلامية، وتبحث في المسافة الفاصلة بين المبادئ العامة التي دافع عنها غاندي، وبين المواقف التي اتخذها في قضايا محددة، وهي مساحة لا تخلو من التعقيد، لكنها تظل ضرورية لفهم التاريخ بعيدًا عن الأحكام الجاهزة والصور المختزلة.

وفي هذا السياق، تكتسب استضافة مؤسسة الأهرام للندوة دلالة ثقافية خاصة؛ فالمؤسسات العريقة لا تقتصر وظيفتها على نقل المعرفة، بل تسهم أيضًا في إحياء النقاش حولها، وإتاحة الفرصة أمام القراء والباحثين لإعادة النظر في القضايا التي شكلت الوعي الإنساني.
الأهرام.. ذاكرة ثقافية تتجدد
في مستهل اللقاء، تحدث جميل عفيفي، مدير مركز الأهرام للترجمة والنشر ومدير تحرير الأهرام، عن الدور الذي يؤديه المركز في إثراء المكتبة العربية وإتاحة المؤلفات والدراسات التي توسع آفاق المعرفة، مستندًا إلى خبرة ممتدة تقارب نصف قرن في مجال النشر والترجمة.

ويأتي الاهتمام بهذا النوع من المؤلفات في إطار دور ثقافي يتجاوز حدود الكتاب بوصفه منتجًا معرفيًا، ليجعله نقطة انطلاق لحوار أوسع بين الثقافات والتجارب الإنسانية. فالكتاب التاريخي، حين يُقرأ قراءة واعية، لا يستعيد الماضي فحسب، وإنما يساعد على فهم الحاضر، ويمنح القارئ أدوات أفضل للتأمل في تحولات المجتمعات وأسئلتها.

وتكتسب الطبعة القاهرية من «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» أهميتها من صدورها عن مؤسسة لها حضور راسخ في الحياة الصحفية والثقافية العربية، ومن وصولها إلى جمهور مصري اعتاد التفاعل مع الكتب التي تضع التاريخ في قلب النقاش العام.
عبدالنبي الشعلة: القاهرة فضاء للمعرفة والحوار
وعبّر الكاتب البحريني عبدالنبي الشعلة عن سعادته بصدور الطبعة القاهرية من مؤلفه عن مؤسسة الأهرام، مؤكدًا مكانة القاهرة باعتبارها منارة للفكر والثقافة، وواحدة من الحواضر العربية التي احتفظت بدور مؤثر في حركة النشر والحوار الفكري.
ويبدو اختيار القاهرة محطة جديدة للكتاب امتدادًا طبيعيًا لرحلته؛ فالمدينة التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من الترجمة والتأليف والنقاش الثقافي تتيح للعمل أن يدخل في حوار مع بيئة معرفية مختلفة، وأن يلتقي بقراء قد تكون لهم أسئلتهم الخاصة حول غاندي وعصره ومواقفه.
ويستند الشعلة في كتابه إلى وقائع تاريخية ومصادر موثقة، سعيًا إلى تقديم صورة أوسع عن علاقة غاندي بقضايا العرب والمسلمين، وإلى إلقاء الضوء على مواقف لا تحظى دائمًا بالقدر نفسه من الاهتمام الذي تناله سيرته بوصفه قائدًا لحركة استقلال الهند.
وتتطلب هذه القراءة، بطبيعتها، النظر إلى غاندي في سياقه التاريخي، وإدراك أن مواقف الشخصيات الكبرى لا يمكن فصلها عن الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بها، كما لا ينبغي أن تحول مكانتها الرمزية دون إخضاع تجاربها للفحص والمناقشة.
المسلمون في الهند.. تاريخ من الأسئلة المعقدة
يفتح الكتاب ملف العلاقة بين الهندوس والمسلمين، وهي علاقة تشكلت عبر قرون من التفاعل الحضاري والتبادل الثقافي، لكنها شهدت كذلك مراحل من التوتر والصراع، خصوصًا مع تصاعد النزعات السياسية والدينية في أواخر عهد الاستعمار البريطاني.
ويتناول المؤلف أوضاع المسلمين في الهند وجنوب أفريقيا، وما ارتبط بها من قضايا الحقوق والمساواة والتمثيل السياسي، في سياق تاريخي شهد تحولات عميقة في مفهوم الدولة والهوية والانتماء.
وتبرز أهمية هذا المحور في أن الهند لم تكن مجرد مسرح لنضال وطني ضد الاستعمار، بل كانت أيضًا مجتمعًا متعدد الأديان والثقافات، واجه تحديًا صعبًا في بناء صيغة سياسية تستوعب اختلافاته. وقد جعل ذلك من العلاقة بين الهندوس والمسلمين إحدى القضايا المركزية في تاريخ البلاد الحديث.
ويتطرق الكتاب إلى قضية تقسيم الهند وقيام باكستان، وما صاحبها من خلافات حول مستقبل شبه القارة الهندية، مع تناول مواقف غاندي ومقارنتها برؤية محمد علي جناح، الذي ارتبط اسمه بالمطالبة بإقامة دولة مستقلة للمسلمين.
ولا يمكن فهم تلك المرحلة بمعزل عن الظروف التي سبقت التقسيم، أو عن المخاوف المتبادلة بين الجماعات السياسية والدينية، أو عن آثار القرار على ملايين البشر. فالتاريخ هنا ليس مجرد تواريخ وأسماء، بل تجربة إنسانية كثيفة، تتداخل فيها تطلعات الشعوب مع حسابات السياسة ومآلات الصراع.
فلسطين في مرآة الفكر الغاندي
تحضر القضية الفلسطينية ضمن الموضوعات التي يناقشها الكتاب، بما تحمله من أبعاد سياسية وأخلاقية وإنسانية، وبما تثيره من أسئلة حول حق الشعوب في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
ويأتي تناول هذا الملف في إطار محاولة استكشاف موقف غاندي من قضايا العرب، وربط أفكاره العامة بشأن العدالة والتحرر بالمواقف التي ارتبطت بالواقع السياسي في المنطقة.
وتظل القضية الفلسطينية، بما شهدته من تحولات ممتدة، واحدة من أبرز القضايا التي تكشف صعوبة الفصل بين المبادئ الأخلاقية والوقائع السياسية. ومن ثم فإن العودة إلى مواقف الشخصيات التاريخية منها تستدعي قراءة دقيقة للسياقات والظروف، بعيدًا عن الاقتطاع أو التعميم.
وتتيح دراسة هذه المواقف فرصة للتأمل في الكيفية التي تعامل بها مفكرون وقادة من خارج المنطقة مع قضاياها، وفي حدود التقاطع والاختلاف بين تصوراتهم وبين تطلعات الشعوب المعنية مباشرة بهذه القضايا.
غاندي.. الإنسان وراء الرمز
وُلد المهاتما غاندي عام 1869 في مدينة بوربندر الهندية، وأصبح أحد أبرز قادة الحركة الوطنية التي ناضلت من أجل استقلال الهند عن الحكم البريطاني. وقد ارتبطت تجربته بالدعوة إلى المقاومة السلمية والعصيان المدني، وهي أدوات سياسية استندت إلى رفض العنف وإلى القدرة على تحويل الاحتجاج الشعبي إلى قوة مؤثرة.
وأطلق عليه الشاعر الهندي رابندرانات طاغور لقب «المهاتما»، أي «الروح العظيمة»، وهو لقب اختصر المكانة التي اكتسبها غاندي في الوجدان الهندي، قبل أن تتجاوز صورته حدود بلاده لتصبح رمزًا عالميًا للنضال السلمي.
لكن الرمز، مهما اتسعت شهرته، لا يغني عن معرفة الإنسان وتجربته في تفاصيلها. فقراءة غاندي لا تكتمل بالاحتفاء بمواقفه من الاستعمار وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى فهم تصوره للمجتمع والتعدد الديني والسياسي، وإلى دراسة مواقفه في ضوء الظروف التي أحاطت بها.
وقد اغتيل غاندي في يناير 1948، بعد أشهر قليلة من استقلال الهند، غير أن رحيله لم ينهِ الجدل حول أفكاره ومواقفه؛ إذ بقيت تجربته موضوعًا للبحث والنقد والتأمل، شأنها شأن تجارب الشخصيات التي تركت أثرًا عميقًا في التاريخ.
كتاب يعبر اللغات والثقافات
صدر «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» للمرة الأولى عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، في أغسطس 2018، في 259 صفحة من القطع الكبير. ومنذ ذلك الحين، اتسعت دائرة وصوله إلى القراء عبر ترجمته إلى الإنجليزية والهندية والأوردو والمالايالامية.
وشهدت العاصمة البحرينية المنامة تدشين الترجمات عام 2022،، في خطوة عززت حضور الكتاب خارج نطاق اللغة العربية، وفتحت المجال أمام قراء ينتمون إلى خلفيات لغوية وثقافية متعددة للاطلاع على موضوعاته.
وتكشف هذه الرحلة عن أهمية الترجمة في نقل الأسئلة من ثقافة إلى أخرى؛ فحين ينتقل كتاب عن غاندي إلى لغات يتحدث بها ملايين الهنود وغيرهم، فإنه لا ينقل معلومات عن شخصية تاريخية فحسب، بل يتيح أيضًا تبادل الرؤى بشأن قضايا تمس الذاكرة المشتركة، والعلاقة بين الدين والسياسة، وحقوق الشعوب.
أما مؤلف الكتاب، عبدالنبي الشعلة، فقد تولى منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية في البحرين خلال الفترة من 1995 إلى 2005، كما ترأس مجلس إدارة مؤسسة البلاد الإعلامية، وهو ما يضع اهتمامه بالشأن العام ضمن تجربة تجمع بين العمل السياسي والاجتماعي والإعلامي.
حين يصبح الكتاب بداية للحوار
في ختام الأمسية، أعرب الشعلة عن تقديره لمؤسسة الأهرام ومركز الأهرام للترجمة والنشر، ولسفارة الهند بالقاهرة وجمعية الصداقة المصرية الهندية وصالون «في حضرة الإبداع»، مثمنًا دور الجهات المشاركة في تنظيم اللقاء وإتاحة المجال لمناقشة الكتاب والتعريف بأفكاره.
وبقيت القيمة الأعمق للفعالية في السؤال الذي تتركه وراءها: كيف نقرأ الشخصيات التاريخية التي تجاوز تأثيرها حدود أوطانها؟ وكيف نوازن بين احترام إرثها وإخضاع مواقفها للفحص النقدي؟ ثم كيف نستفيد من تجارب الماضي في فهم قضايا الحاضر، من دون أن نحمل التاريخ ما لا يحتمل أو نختزله في إجابات نهائية؟
إن «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» لا يقدم التاريخ باعتباره صفحة أُغلقت، بل يفتح بابًا للتأمل في علاقات الشعوب والأديان، وفي معنى العدالة حين تتحول من مبدأ نظري إلى موقف من قضية إنسانية ملموسة.
وبين الهند التي ناضلت من أجل استقلالها، والعالم العربي الذي لا تزال قضايا الحرية والحقوق والعدالة تشغل حيزًا واسعًا من وجدانه، تبدو العودة إلى غاندي أكثر من استذكار لسيرة قائد؛ إنها محاولة لفهم ما يبقى من الأفكار بعد رحيل أصحابها، وما يمكن أن تضيفه القراءة الجادة للتاريخ إلى حوار الإنسان الدائم مع ذاته ومع العالم.



