السعودية تصنع قرارها… حين تتحول الدبلوماسية إلى مادة للتشويه

 

بقلم: مصطفى محمد القرشي
ليس كل اتصال سياسي دليل ضعف، ولا كل طلب للتعاون تنازلًا عن استقلال القرار. غير أن بعض الطروحات تختزل العلاقات الدولية في روايات انتقائية: تُبرز ما يصلح للتشكيك، وتُغفل ما يكتمل به المشهد. ومن هنا، تصبح الدقة في عرض الوقائع ضرورة لفهم الموقف، ومواجهة التشويه دون الوقوع في مبالغة مضادة.
الرواية الإعلامية وحجمها الحقيقي؛
في 11 سبتمبر 2026، نشرت رويترز وCNN، نقلًا عن مصادر مطّلعة، تقارير تفيد بأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تحدث مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرتين، وطلب تدخلًا أمريكيًا ضد الحوثيين، وأن ترامب لم يوافق على توجيه ضربات مباشرة. وتظل هذه التفاصيل رواية صحفية منسوبة إلى مصادر، وليست بيانًا سعوديًا رسميًا يؤكد مضمون المحادثات. (internazionale.it⁠, arabic.cnn.com⁠)
مناقشة التقارير أمر مشروع، لكن اتخاذها برهانًا على عجز السعودية يتجاوز ما تثبته. فالتواصل مع الحلفاء واستكشاف أدوات العمل المشترك من صميم الدبلوماسية. كما أن عدم استجابة طرف لطلب معين يعكس اختلافًا في الحسابات، ولا يكفي وحده للحكم على قوة الدولة أو استقلال قرارها.
التنسيق الأمني والمواقف اللاحقة؛
الاقتصار على رواية سبتمبر وتجاهل التطورات اللاحقة ينتج صورة مبتورة. ففي 5 أكتوبر، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حق السعودية في الدفاع عن نفسها ضد الحوثيين، وشدّد على عزم واشنطن الوفاء باتفاقياتها والتزاماتها الأمنية مع الرياض، دون إعلان تفاصيل تنفيذها العسكرية. (arabnews.com⁠, aa.com.tr⁠)
وأفادت تقارير بأن نائب الرئيس جي دي فانس ترأس اجتماعًا رفيع المستوى في كامب ديفيد لبحث الحرب مع إيران والقتال بين السعودية والحوثيين. وكان قد أعلن في سبتمبر متابعة واشنطن تطورات البحر الأحمر والتنسيق مع السعودية والإمارات. وتُظهر هذه المعطيات استمرار الاهتمام والتنسيق، مع بقاء المشاركة العسكرية الأمريكية المباشرة مسألة منفصلة. (timesofisrael.com⁠, aa.com.tr⁠)
وفي تصريحات نُشرت في 10 أكتوبر، عبّر ترامب عن عدم رضاه عن استهداف مطار الملك خالد الدولي، واصفًا الهجوم بأنه أمر غير جيد. وهذا موقف ينبغي إدراجه في الصورة، دون تحميله معنى الإعلان عن تدخل عسكري لم يثبت في المصادر المشار إليها. (alayyam.info⁠)
فلماذا تُستعاد رواية الاتصالين لتصوير السعودية وكأنها معزولة، بينما تُغفل هذه المواقف؟ القراءة المنصفة تتابع المسار، ولا تجمّده عند لحظة واحدة.
تنويع الخيارات وإدارة القوة؛
أكد البيان المشترك لاجتماع حلف مكة الدفاعي في الرياض، بتاريخ 5 أكتوبر، ترجمة الالتزام بالدفاع الجماعي إلى إجراءات عملية، وترابط أمن السعودية وباكستان وتركيا. ويُظهر هذا التطور أن خيارات الرياض الأمنية أوسع من استجابة طرف واحد لطلب محدد. (mofa.gov.pk⁠)
الثقة برجال السعودية وقدراتها راسخة، وبناء الشراكات الدفاعية يعزّز هذه القدرات ويوسّع البدائل. فقوة الدولة تظهر أيضًا في قدرتها على حشد التعاون وإدارة التهديدات بأدوات متعددة.
ويجب قراءة التحرك السعودي في سياقه المعلن: دعم الحكومة اليمنية الشرعية وحماية أمن السعودية، مع وجود عمليات عسكرية وإسناد للقوات الحكومية اليمنية. (reuters.com⁠) فلا تُقاس قوة الدولة بصدور إعلان للحرب، وإنما بقدرتها على تحديد أهدافها، واختيار أدواتها، وتقدير تبعات قراراتها.
كما أن تجنّب توسيع نطاق العمليات أو اتباع سياسة الأرض المحروقة لا يدل بذاته على ضعف أو عجز؛ فقد يعكس حرصًا على حماية المدنيين اليمنيين، والحفاظ على فرص التسوية، وتفادي كلفة إنسانية وسياسية وأمنية طويلة الأمد. وهذا تفسير محتمل لضبط التصعيد، لا جزم بالدوافع غير المعلنة. فالحكمة في استخدام القوة جزء من القوة نفسها.
مطالب متبادلة ومصالح متوازنة؛
لماذا يُقدَّم الطلب السعودي بوصفه ضعفًا، بينما تُغفل المطالب الأمريكية من الرياض، وما تحقق في العلاقة بين البلدين من تقدم؟
لقد أعلن ترامب ربط المضي في اتفاق التعاون النووي المدني بانضمام السعودية إلى «اتفاقات أبراهام». ومع ذلك، شهد الملف توقيع الاتفاق وإحالته إلى الكونغرس للمراجعة. وهذه خطوات تستحق الذكر، مع التمييز بين توقيع الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ. (reuters.com⁠, apnews.com⁠)
وفي الملف الدفاعي، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية في 17 سبتمبر على بيع محتمل يشمل 48 مقاتلة من طراز «F-35»، بقيمة تقديرية تبلغ 24.3 مليار دولار، مع بقاء الإجراءات اللازمة لإتمام البيع. وهذه الواقعة لا تنسجم مع تصوير العلاقة كسلسلة من الطلبات السعودية المرفوضة. (reuters.com⁠)
تقوم العلاقات الدولية على التفاوض وتبادل المصالح. تطلب واشنطن قرارات تخدم توجهاتها، وتطلب الرياض تعاونًا يخدم أمنها ومصالحها. ولا يجعل تقديم الطلب صاحبه تابعًا، كما لا يُلزم الطرف الآخر بالقبول. لذلك ينبغي تقييم العلاقة بمجموع مساراتها ونتائجها.
ثوابت المرجعية واستقلال القرار؛
للسعودية مرجعية واضحة؛ فالمادة الأولى من النظام الأساسي للحكم تنص على أن دستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وتؤكد المادة السابعة أنهما الحاكمان على النظام وجميع أنظمة الدولة. وهذه المرجعية أساس منصوص عليه في بنية الحكم، ينبغي استحضاره عند مناقشة ثوابت البلاد وخياراتها. (laws.boe.gov.sa⁠)
وفي هذا السياق، يلزم ضبط المصطلحات: إعلان «اتفاقات أبراهام» يتناول العلاقات والسلام والحوار والتعايش، ولا ينص على إنشاء عقيدة موحّدة. لذلك تُناقَش الترتيبات السياسية بمضمونها، وتُناقَش الدعوات إلى خلط العقائد في سياقها الديني، مع توثيق أي فتوى يُستند إليها وتحديد الجهة التي أصدرتها. (trumpwhitehouse.archives.gov⁠)
القراءة المنصفة تجمع الوقائع وتضعها في سياقها. أما انتقاء جزء من خبر لبناء صورة العجز، وحجب ما عداه، فيكشف انتقائية الخطاب ويضعف صدقيته. وقوة حجتنا في عرض الاتصالات، والمطالب المتبادلة، والمواقف اللاحقة، والشراكات الدفاعية، مع التمييز بين الخبر والتحليل.
ثقتنا بقيادتنا راسخة، واعتزازنا باستقلال قرارنا ثابت. نساند الحكمة في إدارة الأزمات، والحزم في حماية الوطن، ونرفض تحويل الدبلوماسية إلى مادة للتشويه.
حفظ الله السعودية وقيادتها وشعبها وجنودها، وأدام عليها الأمن والعز، وردّ عنها كيد المعتدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى