الاعلامية صفاء مهنا تكتب:  مساحات نادرة أم مؤجلة

 

في استبيان أُجري لصالح أحد مراكز الدراسات، طُرح سؤال على عينة من أشخاص يعملون منذ سنوات طويلة: متى آخر مرة شعرت فيها براحة حقيقية؟
جاءت معظم الإجابات في خانة واحدة: “لا أذكر”.

هذه الإجابة، رغم بساطتها، ليست مجرد انطباع عابر، بل مؤشر على تحوّل أعمق في علاقة الإنسان المعاصر بحياته اليومية. فنحن لا نتحدث عن أفراد يمرون بأزمات استثنائية، بل عن نمط حياة قائم على ضغط متواصل لا يترك مساحة حقيقية للتوقف أو التقاط الأنفاس.

في الداخل، لم يعد الإنسان يمر بأزمة عابرة، بل أصبح يقيم داخلها. لم تعد الحياة تُقسم ببساطة إلى “قبل” و”بعد”، وكأن ما نعيشه مرحلة مؤقتة ستنتهي، بل باتت حالة مستمرة تفرض إيقاعها على التفاصيل الصغيرة والكبيرة في آن واحد.

ربما تكمن المشكلة في التحول التدريجي الذي أصاب شكل التجربة الإنسانية نفسها. في السابق، كانت الحياة تتأرجح بين الاستقرار والاضطراب، بين النجاح والسقوط، لكن كانت هناك دائماً مسافة بين الحدث وردة الفعل، ومساحة لاحقة اسمها “التعافي”. أما اليوم، فقد تقلصت هذه المساحة بشكل خطير، حتى بات التعافي نفسه يبدو كأنه مرحلة ثانوية أو مؤجلة باستمرار.

لعل مصطلح “الضغط المزمن” (Chronic Stress) لم يعد مجرد مفهوم طبي أو نفسي، بل أصبح وصفاً واقعياً لحياة كاملة. المشكلة لم تعد في وجود الصدمات، بل في تسارعها وتراكمها إلى درجة لا تسمح بإنهاء أثر واحدة منها قبل أن تبدأ أخرى.

والأجيال الحالية،تعيش شكلاً مختلفاً من الاستنزاف. ليس لأنها الأكثر معاناة بالضرورة، بل لأنها الأكثر اتصالاً واستجابةً للعالم في كل لحظة. فبين الأخبار، وضغوط العمل، والمقارنات الاجتماعية المستمرة، تتآكل المساحات الهادئة التي كانت سابقاً جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

الخطير في هذا التحول ليس حجم الضغوط فقط، بل تطبيعها. حين يصبح التوتر حالة دائمة، والإرهاق أمراً عادياً، يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما هو استثنائي وما هو يومي. وهنا يتغير السؤال جذرياً: لم يعد “كيف نتعافى؟” بل “كيف ننجو دون أن نفقد أنفسنا؟”.

إن ما نعيشه اليوم لا يبدو انهياراً مفاجئاً بقدر ما هو تآكل بطيء ومستمر. شكل من الاستنزاف الهادئ الذي يحدث بينما نظل نواصل العمل، ونؤدي التزاماتنا، ونبدو من الخارج بكامل “الوظيفة”.

وربما الأخطر في كل ذلك أن فكرة التعافي نفسها بدأت تتحول إلى شيء قريب من الرفاهية. مساحة نادرة، مؤجلة، أو غير مضمونة أصلاً. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل المشكلة في غياب التعافي فعلاً، أم في أننا فقدنا القدرة على تعريف ما يعنيه أن نكون بخير من الأساس؟

وهل نحن أمام واقع جديد بالكامل… أم مجرد مرحلة مؤقتة نبالغ في قراءتها؟
وهل ما نعتبره “ضغطاً غير مسبوق”… هو فعلاً جديد، أم فقط أصبحنا أكثر وعياً به من أي وقت مضى؟ربما لاتوجد إجابة واضحة.

صفاءمهنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى